لم تعد الحرب في الشرق الأوسط مجرد أزمة عسكرية أو جيوسياسية تنعكس على أسعار النفط وأسواق المال فقط، بل بدأت تتحول تدريجيًا إلى تهديد مباشر للأمن الغذائي العالمي. فمع ارتفاع أسعار النفط والغاز الطبيعي نتيجة التوترات المرتبطة بمضيق هرمز واضطرابات الإمدادات، بدأت تكلفة إنتاج الغذاء ترتفع عالميًا، من الأسمدة إلى النقل والشحن والطاقة المستخدمة في الزراعة.
الأسواق تنظر اليوم إلى الطاقة باعتبارها القلب الذي يُحرك الاقتصاد الزراعي الحديث، ولذلك فإن أي ارتفاع حاد في أسعار النفط والغاز ينعكس سريعًا على أسعار الغذاء، خاصة في الدول الفقيرة والهشة التي تنفق الجزء الأكبر من دخلها على الطعام والطاقة.
ارتفاع حاد في أسعار الغذاء والأسمدة
خلال الأشهر الأخيرة ارتفعت أسعار الغذاء العالمية بشكل واضح، حيث صعد مؤشر أسعار الغذاء العالمي الصادر عن منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة إلى أعلى مستوياته منذ سنوات، مع ارتفاع أسعار الحبوب والزيوت النباتية واللحوم والسكر.
لكن الصدمة الأكبر جاءت من سوق الأسمدة، إذ قفزت أسعار بعض الأسمدة النيتروجينية مثل اليوريا بأكثر من 40% خلال فترة قصيرة، بينما ارتفع مؤشر أسعار الأسمدة عالميًا بأكثر من 60% مقارنة بالعام الماضي، وسط تحذيرات من استمرار هذه الارتفاعات إذا بقيت أسعار الطاقة مرتفعة.
وهنا تكمن خطورة الأزمة، لأن ارتفاع أسعار الغذاء الحالي قد يكون مجرد بداية، بينما التأثير الأكبر قد يظهر لاحقًا عندما يبدأ المزارعون حول العالم بتقليل استخدام الأسمدة بسبب تكلفتها المرتفعة.
لماذا تعتبر الأسمدة بهذه الأهمية؟
الزراعة الحديثة اليوم تعتمد بشكل هائل على الأسمدة الصناعية، وخاصة الأسمدة النيتروجينية التي ساهمت خلال القرن الماضي في مضاعفة إنتاج القمح والذرة والأرز عالميًا.
قبل ظهور الأسمدة الصناعية كانت إنتاجية الأراضي الزراعية محدودة، وكانت المجاعات أكثر شيوعًا مع أي موجة جفاف أو زيادة سكانية. لكن مع تطور تصنيع الأمونيا والأسمدة الحديثة حدثت طفرة هائلة فيما عُرف لاحقًا بالثورة الخضراء، وأصبح العالم قادرًا على إنتاج كميات ضخمة من الغذاء تكفي مليارات البشر.
لهذا السبب تشير تقديرات عديدة إلى أن نحو نصف غذاء العالم الحالي يعتمد بصورة مباشرة على الأسمدة النيتروجينية الصناعية، ما يعني أن أي أزمة طويلة في إنتاج أو أسعار هذه الأسمدة قد تتحول سريعًا إلى أزمة غذاء عالمية.
ما علاقة الغاز الطبيعي بصناعة الأسمدة؟
الكثير يعتقد أن الأسمدة مجرد مواد كيميائية تُنتج داخل المصانع، لكن الحقيقة أن الغاز الطبيعي يُعتبر عنصرًا أساسيًا في صناعة أهم أنواع الأسمدة عالميًا.
فالمصانع تقوم بأخذ النيتروجين من الهواء ودمجه مع الهيدروجين المستخرج من الغاز الطبيعي لإنتاج الأمونيا، وهي المادة الأساسية التي تدخل في تصنيع اليوريا ومعظم الأسمدة النيتروجينية المستخدمة عالميًا.
لذلك فإن ارتفاع أسعار الغاز الطبيعي لا يرفع فقط تكاليف تشغيل المصانع، بل يرفع أيضًا تكلفة المادة الخام الداخلة في صناعة السماد نفسه.
ومع ارتفاع النفط ترتفع كذلك:
- تكاليف الشحن البحري
- تكاليف تشغيل المعدات الزراعية
- تكاليف الري والنقل والتخزين
- تكاليف إنتاج الغذاء بالكامل
لماذا يخشى العالم من المرحلة القادمة؟
الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في ارتفاع الأسعار الحالي، بل في احتمال تراجع الإنتاج الزراعي خلال المواسم القادمة.
فإذا أصبحت الأسمدة باهظة الثمن، سيضطر كثير من المزارعين — خاصة في الدول الفقيرة — إلى تقليل استخدامها أو تقليص المساحات المزروعة، ما يعني انخفاض الإنتاج العالمي من القمح والذرة والأرز ومحاصيل أساسية أخرى.
وهذا قد يؤدي لاحقًا إلى:
- نقص المعروض الغذائي عالميًا
- ارتفاع أكبر في الأسعار
- اتساع رقعة الجوع والفقر
- زيادة الاضطرابات الاجتماعية والهجرة
الدول الأكثر هشاشة في أفريقيا وبعض مناطق آسيا وأمريكا اللاتينية ستكون الأكثر تضررًا، لأن ملايين العائلات هناك تعيش أصلًا على هامش الفقر، وأي ارتفاع إضافي في أسعار الغذاء قد يدفعها نحو المجاعة.
الخاتمة
العالم اليوم لا يواجه فقط أزمة طاقة أو حربًا إقليمية، بل يواجه احتمال انتقال هذه الأزمة إلى النظام الغذائي العالمي بالكامل. فالزراعة الحديثة أصبحت مرتبطة بصورة عميقة بالطاقة والغاز الطبيعي والأسمدة الصناعية، وأي اضطراب طويل في هذه السلسلة قد يؤدي إلى تراجع الإنتاج الزراعي وارتفاع معدلات الجوع عالميًا.
ولهذا تحذر المؤسسات الدولية من أن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة دون دعم المزارعين وضمان تدفق الأسمدة قد يفتح الباب أمام واحدة من أخطر أزمات الغذاء في السنوات المقبلة.