يشكل الارتفاع المستمر في أسعار النفط والطاقة أحد أبرز العوامل التي تعيد مخاطر التضخم والتشديد النقدي إلى واجهة الاقتصاد العالمي. فقد ارتفع خام برنت إلى نحو 108 دولارات للبرميل، بينما تجاوز الخام الأمريكي 102 دولار، في ظل استمرار اضطرابات الإمدادات وتصاعد المخاطر الجيوسياسية في الشرق الأوسط.
استمرار أسعار النفط فوق مستوى 100 دولار لا يقتصر تأثيره على قطاع الطاقة، بل يمتد تدريجيًا إلى تكاليف النقل والإنتاج وسلاسل الإمداد وأسعار السلع والخدمات، ما يزيد احتمالات انتقال صدمة الطاقة إلى التضخم العام ثم إلى التضخم الأساسي وتوقعات التضخم طويلة الأجل.
المركزي الأوروبي يبدأ دورة التشديد
بدأ البنك المركزي الأوروبي ECB بالفعل التحرك في هذا الاتجاه، بعدما رفع أسعار الفائدة في 10 سبتمبر بمقدار 25 نقطة أساس، لتصل فائدة الإيداع إلى 2.50%.
ويبدو هذا المستوى منخفضًا نسبيًا مقارنة بتضخم منطقة اليورو البالغ نحو 3.3% في أغسطس. كما أكد عضو مجلس المحافظين مارتينش كازاكس أن مستوى 2.5% لا ينبغي النظر إليه باعتباره سقفًا للفائدة.
وبالتالي، فإن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة قد يدفع المركزي الأوروبي إلى مواصلة التشديد خلال الأشهر المقبلة، خصوصًا إذا بدأت آثار ارتفاع النفط بالانتقال إلى بقية مكونات التضخم.
الفيدرالي وبنك إنجلترا وبنك اليابان هذا الأسبوع
الفيدرالي الأمريكي – 16 سبتمبر
السيناريو الأكثر ترجيحًا حاليًا هو رفع الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس، من نطاق 3.50–3.75% إلى 3.75–4.00%، مع تسعير الأسواق احتمال الرفع بنحو 90%.
وتأتي هذه التوقعات بعد وصول التضخم الأمريكي إلى 3.4% وارتفاع أسعار الطاقة بنحو 16.3% على أساس سنوي، بالتزامن مع استمرار قوة سوق العمل. ويزيد صعود النفط من مخاطر تحول الضغوط التضخمية من صدمة مؤقتة إلى تضخم أكثر استدامة، ما يعزز مبررات استمرار التشديد النقدي.
بنك إنجلترا – 17 سبتمبر
تبلغ الفائدة البريطانية حاليًا 3.75%، مقابل تضخم عام عند 2.9%. ويبقى السيناريو الأساسي لاجتماع سبتمبر هو تثبيت أسعار الفائدة، إذ يشير إجماع الاقتصاديين إلى عدم الرفع هذا الشهر، بينما يمنح السوق احتمالًا يقارب 30% لرفع الفائدة.
لكن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة قد يغير هذه الصورة خلال الأشهر المقبلة ويزيد احتمالات رفع الفائدة في اجتماع لاحق، وربما في نوفمبر.
بنك اليابان – 18 سبتمبر
تتجه توقعات الأسواق بدرجة كبيرة نحو رفع بنك اليابان للفائدة من 1.00% إلى 1.25%. وتختلف حالة اليابان نسبيًا عن الولايات المتحدة وبريطانيا، لأن البنك لا يزال في مسار طويل لتطبيع السياسة النقدية بعد سنوات من الفائدة شديدة الانخفاض، إلا أن ارتفاع التضخم وتكاليف الطاقة يوفران دعمًا إضافيًا لاستمرار هذا المسار.
وبذلك، قد يتحول الاتجاه الذي بدأه المركزي الأوروبي إلى موجة تشديد متزامنة بين البنوك المركزية الكبرى خلال الأشهر المقبلة، خصوصًا إذا استقرت أسعار النفط فوق 100 دولار واستمرت آثار الطاقة في الانتقال إلى التضخم الأساسي.
عوائد السندات لأجل عامين مقابل التضخم
تكتسب السندات الحكومية لأجل عامين أهمية خاصة لأنها من أكثر أجزاء منحنى العائد حساسية لتوقعات السياسة النقدية ومسار أسعار الفائدة.
| الاقتصاد | عائد السنتين | التضخم العام | العائد ناقص التضخم |
|---|---|---|---|
| 🇺🇸 الولايات المتحدة | 4.64% | 3.4% | +1.24% |
| 🇬🇧 بريطانيا | ≈4.65% | 2.9% | ≈+1.75% |
| 🇦🇺 أستراليا | ≈4.83% | ≈3.5% | ≈+1.33% |
| 🇨🇦 كندا | 3.31% | 3.0% | +0.31% |
| 🇩🇪 ألمانيا / اليورو | ≈3.20% | 2.9% / 3.3% | ≈+0.30% / −0.10% |
| 🇯🇵 اليابان | ≈1.84% | ≈1.9% | ≈−0.06% |
وتضع أحدث الأسعار عائد السندات الأمريكية لأجل عامين قرب 4.64%، مقارنة بنحو 4.65% في بريطانيا، و4.83% في أستراليا، و3.31% في كندا، ونحو 3.20% في ألمانيا، مقابل 1.83–1.84% في اليابان.
ماذا تخبرنا سوق السندات؟
ارتفاع توقعات التضخم يدفع المستثمرين عادة إلى المطالبة بعوائد اسمية أعلى لتعويض تراجع القوة الشرائية للأموال مستقبلاً. ويصبح هذا الارتباط أكثر أهمية في السندات القصيرة، مثل أجل عامين، لأنها تتأثر بصورة مباشرة بتوقعات مسار أسعار الفائدة الرسمية.
لذلك، فإن ارتفاع عوائد السنتين بالتزامن مع ارتفاع النفط والتضخم يمكن تلخيصه في السلسلة التالية:
ارتفاع النفط → ارتفاع توقعات التضخم → ارتفاع عوائد السندات → ارتفاع توقعات أسعار الفائدة → ضغوط أكبر على البنوك المركزية للتشديد.
لكن هذه العلاقة ليست آلية بالكامل. فقد تتسامح البنوك المركزية مع صدمة مؤقتة في أسعار النفط إذا رأت أنها لن تنتقل إلى الأجور والتضخم الأساسي. أما الخطر الأكبر فيتمثل في بقاء النفط عند مستويات مرتفعة لفترة طويلة، لأن ذلك يزيد احتمالات انتشار الصدمة في مختلف قطاعات الاقتصاد وترسخ التضخم، وعندها تصبح الحاجة إلى رفع أسعار الفائدة أكثر إلحاحًا.
الخلاصة
إذا استقرت أسعار النفط فوق 100 دولار للبرميل أو واصلت الارتفاع، فقد يتغير بصورة جوهرية السيناريو الذي ساد قبل أشهر والقائم على اقتراب نهاية دورة التشديد النقدي.
المركزي الأوروبي بدأ بالفعل برفع الفائدة، والفيدرالي الأمريكي مرشح بقوة للرفع هذا الأسبوع، كما يتجه بنك اليابان نحو المزيد من التطبيع، بينما قد يلحق بنك إنجلترا بهذه الموجة خلال الأشهر المقبلة إذا استمرت ضغوط الطاقة.
وفي الوقت نفسه، فإن ارتفاع عوائد السندات الحكومية القصيرة يشير إلى أن الأسواق بدأت بالفعل في إعادة تسعير توقعاتها باتجاه أسعار فائدة أعلى ولفترة أطول.
وبالتالي، قد يكون ارتفاع النفط هو العامل الذي يعيد فتح دورة التشديد النقدي عالميًا بعد أن كانت الأسواق تراهن على اقتراب نهايتها.