تراجع اليورو أمام الدولار الأمريكي إلى نحو 1.15 دولار، مسجلًا أدنى مستوياته منذ منتصف أغسطس، في الوقت الذي حافظت فيه العملة الأمريكية على قوتها مع اقتراب اجتماع الاحتياطي الفيدرالي المرتقب يوم الأربعاء، والذي تتوقع الأسواق أن يشهد رفعًا جديدًا لأسعار الفائدة. ويأتي هذا التراجع في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية في منطقة الخليج، وارتفاع أسعار النفط إلى مستويات تتجاوز 100 دولار للبرميل، وهو ما يعيد المخاوف بشأن التضخم العالمي ويزيد من تعقيد قرارات البنوك المركزية الكبرى.
وتجد الأسواق نفسها أمام معادلة صعبة، حيث تتزامن اضطرابات إمدادات الطاقة مع ارتفاع توقعات أسعار الفائدة، بينما تترقب العملات الرئيسية قرارات نقدية قد تعيد رسم اتجاهات الأسواق خلال الفترة المقبلة. الدولار يستفيد من ترقب قرار الفيدرالي حافظ الدولار الأمريكي على قوته مع اقتراب اجتماع الاحتياطي الفيدرالي يوم الأربعاء، وسط توقعات واسعة بأن يتجه البنك المركزي الأمريكي إلى رفع أسعار الفائدة مجددًا.
وتأتي هذه التوقعات في وقت لا تزال فيه الضغوط التضخمية مرتفعة، بعدما أدت ستة أشهر من الصراع الأمريكي الإسرائيلي مع إيران إلى دفع أسعار النفط إلى مستويات تجاوزت 100 دولار للبرميل، مع اضطراب حركة إمدادات الطاقة العالمية. ويمثل ارتفاع أسعار الفائدة عامل دعم للعملة الأمريكية، إذ يزيد من جاذبية الأصول المقومة بالدولار، خصوصًا السندات الحكومية، مقارنة بالأصول التي تقدم عوائد أقل.
لكن استمرار ارتفاع أسعار النفط يضع الفيدرالي أمام تحدٍ إضافي، إذ إن تشديد السياسة النقدية قد يساعد في احتواء التضخم، لكنه في الوقت نفسه يزيد من تكلفة الاقتراض ويضغط على النشاط الاقتصادي. الحرب في الخليج تعيد التضخم إلى واجهة الأسواق تواصل التوترات العسكرية في منطقة الخليج التأثير على أسواق الطاقة، مع استمرار المخاوف بشأن سلامة الإمدادات النفطية وحركة الشحن في المنطقة.
ويمثل ارتفاع النفط إلى ما فوق 100 دولار للبرميل تطورًا مهمًا بالنسبة للاقتصاد العالمي، إذ يرفع تكاليف النقل والإنتاج، ويزيد الضغوط على الشركات والمستهلكين، خصوصًا في الاقتصادات التي تعتمد بدرجة كبيرة على استيراد الطاقة. كما أن استمرار ارتفاع أسعار النفط قد يعرقل جهود البنوك المركزية في إعادة التضخم إلى مستوياته المستهدفة، وهو ما يزيد احتمالات استمرار السياسة النقدية المتشددة لفترة أطول.
وتنعكس هذه المخاوف أيضًا على أسواق السندات الحكومية طويلة الأجل، التي شهدت موجات من البيع خلال الفترة الأخيرة، مع إعادة المستثمرين تقييم توقعاتهم بشأن التضخم وأسعار الفائدة. وبالنسبة للأسواق المالية، فإن اجتماع ارتفاع تكاليف الطاقة مع ارتفاع العوائد على السندات يمثل ضغطًا إضافيًا على الأصول عالية المخاطر، ويزيد من احتمالات التقلبات خلال الفترة المقبلة.
البنك المركزي الأوروبي يرفع الفائدة.. والأسواق تتوقع المزيد
على الجانب الأوروبي، اتخذ البنك المركزي الأوروبي خطوة جديدة نحو تشديد السياسة النقدية، بعدما رفع أسعار الفائدة الأسبوع الماضي، مع الإشارة إلى إمكانية مواصلة الزيادات خلال الاجتماعات المقبلة. وأدت هذه الإشارات إلى ارتفاع توقعات الأسواق بشأن مسار الفائدة الأوروبية، حيث أصبحت العقود المرتبطة بأسعار الفائدة تسعّر أربع زيادات إضافية بحلول منتصف عام 2027.
ومن المفترض أن يوفر ارتفاع الفائدة الأوروبية دعمًا لليورو، من خلال زيادة العائد على الأصول المقومة بالعملة الموحدة. لكن هذا الدعم لا يبدو كافيًا حتى الآن لتعويض قوة الدولار، خصوصًا مع اقتراب قرار الفيدرالي الأمريكي واستمرار الضغوط الناتجة عن ارتفاع أسعار الطاقة. كما أن ارتفاع تكاليف الطاقة يمثل تحديًا أكبر للاقتصاد الأوروبي، الذي يعتمد بدرجة كبيرة على واردات النفط والغاز، ما يجعل استمرار الأزمة عامل ضغط على النمو الاقتصادي والتضخم في المنطقة..
أسبوع حاسم للبنوك المركزية الكبرى
تتجه أنظار المستثمرين هذا الأسبوع إلى سلسلة من القرارات النقدية التي قد تحدد اتجاهات الأسواق العالمية خلال الفترة المقبلة. ويأتي قرار الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي يوم الأربعاء في مقدمة الأحداث المنتظرة، يليه اجتماع بنك إنجلترا يوم الخميس، ثم قرار بنك اليابان يوم الجمعة، وسط توقعات واسعة برفع أسعار الفائدة اليابانية.
وتكتسب هذه القرارات أهمية خاصة في ظل اختلاف الظروف الاقتصادية بين الدول الكبرى، إذ تواجه البنوك المركزية ضغوطًا تضخمية متزايدة، لكنها في الوقت نفسه مطالبة بتجنب إضعاف النمو الاقتصادي بصورة مفرطة.
ومن المتوقع أن يتركز اهتمام المستثمرين على القرارات نفسها، إلى جانب تصريحات مسؤولي البنوك المركزية بشأن مسار أسعار الفائدة خلال الأشهر المقبلة.
بنك إنجلترا أمام تصويت متقارب من المنتظر أن يبقي بنك إنجلترا أسعار الفائدة دون تغيير خلال اجتماعه يوم الخميس، رغم أن التوقعات تشير إلى أن التصويت داخل لجنة السياسة النقدية قد يكون متقاربًا.
ويعكس ذلك استمرار حالة الانقسام بشأن كيفية التعامل مع الضغوط التضخمية، في ظل ارتفاع تكاليف الطاقة والمخاوف المتعلقة بالنشاط الاقتصادي. فالإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير قد يمنح الاقتصاد البريطاني بعض الوقت لاستيعاب الضغوط الحالية، لكنه قد يترك الباب مفتوحًا أمام مزيد من التشديد النقدي إذا استمرت الأسعار في الارتفاع.
وفي المقابل، فإن أي إشارات أكثر تشددًا من جانب البنك قد تدعم الجنيه الإسترليني، بينما قد يؤدي تبني موقف أكثر حذرًا إلى زيادة الضغوط على العملة البريطانية.
يواجه اليورو ضغوطًا متزايدة مع اقتراب قرار الفيدرالي الأمريكي، في وقت لا تزال فيه التوترات الجيوسياسية وارتفاع أسعار النفط يعيدان تشكيل توقعات التضخم والسياسة النقدية العالمية.
ورغم أن البنك المركزي الأوروبي بدأ بالفعل في رفع أسعار الفائدة، فإن الدولار لا يزال يستفيد من توقعات تشديد السياسة النقدية الأمريكية، إلى جانب حالة الحذر التي تسيطر على الأسواق. وخلال الأيام المقبلة، سيكون اتجاه اليورو أمام الدولار مرتبطًا بدرجة كبيرة بقرارات البنوك المركزية، ومدى استمرار اضطرابات إمدادات الطاقة، وقدرة الاقتصادات الكبرى على احتواء الضغوط التضخمية دون الدخول في مرحلة أعمق من التباطؤ الاقتصادي. ويبقى السؤال الأهم أمام المستثمرين: هل تنجح البنوك المركزية في احتواء التضخم الناتج عن ارتفاع الطاقة، أم أن استمرار الحرب سيجبرها على تشديد السياسة النقدية بدرجة أكبر، حتى لو جاء ذلك على حساب النمو الاقتصادي؟