تدخل الأسواق العالمية سبتمبر 2026 في واحدة من أكثر البيئات تعقيدًا منذ سنوات. المشكلة ليست في عامل واحد يمكن للمستثمر عزله ومراقبته، وإنما في تفاعل عدة صدمات في الوقت نفسه: حرب أمريكية-إيرانية مستمرة منذ أشهر، اضطرابات في مضيق هرمز، عودة النفط إلى مستويات تتجاوز 100 دولار للبرميل، تضخم مهدد بالارتفاع مجددًا، بنك الاحتياطي الفيدرالي الذي يواجه احتمال رفع الفائدة رغم المخاوف الاقتصادية، وبنك اليابان الذي يتحول تدريجيًا نحو التشدد، إلى جانب تباطؤ النمو العالمي.
والأهم أن الأسواق لم تعد تتعامل مع الحرب باعتبارها مجرد أزمة جيوسياسية بعيدة عن الاقتصاد. الحرب أصبحت الآن صدمة اقتصادية مباشرة تنتقل من الخليج إلى أسعار النفط، ومن النفط إلى التضخم، ومن التضخم إلى أسعار الفائدة، ومن أسعار الفائدة إلى السندات والأسهم والعملات، ثم تعود مرة أخرى إلى النمو الاقتصادي.
وهذه هي الصورة التي يجب أن يفهمها المستثمر في الفترة الحالية.
الحرب وصلت إلى مرحلة مختلفة.. ومضيق هرمز أصبح قلب الأزمة
الصراع الأمريكي-الإيراني لم يعد مجرد مواجهة عسكرية محدودة يمكن للأسواق تجاهلها. التطورات الأخيرة أعادت الحرب إلى البحر وإلى أهم ممر للطاقة في العالم، بعدما تبادلت الولايات المتحدة وإيران الهجمات على ناقلات وسفن، بينما تصاعدت هجمات الحوثيين على أهداف في السعودية. وتكمن أهمية مضيق هرمز في أنه كان يمر عبره قبل الحرب ما يقارب خُمس تدفقات النفط والغاز العالمية. لكن حركة النفط عبر المضيق انخفضت بشدة منذ بداية الصراع، وأصبحت البيانات نفسها غير واضحة؛ فبعض التقديرات تضع التدفقات عند مستويات أعلى بكثير من تقديرات شركات تتبع الناقلات، بسبب توقف بعض السفن عن تشغيل أنظمة التتبع وصعوبة مراقبة الحركة البحرية. هذه الضبابية نفسها أصبحت جزءًا من المشكلة، لأن السوق لا يعرف بدقة كمية النفط التي تتحرك فعليًا عبر المضيق.
وفي أحدث تصعيد، ارتفع سعر خام برنت فوق 100 دولار للبرميل لأول مرة منذ يوليو، بعدما استهدفت الولايات المتحدة ناقلات إيرانية، وردت إيران بهجمات على سفن وأهداف أمريكية، بالتزامن مع هجمات حوثية على أهداف ومنشآت مرتبطة بالطاقة في السعودية.
لكن السؤال الأهم ليس: هل ستستمر الحرب؟
السؤال الاقتصادي الحقيقي هو: هل ستستمر الحرب بالشكل الذي يعطل تدفقات الطاقة لفترة طويلة؟ لأن الأسواق تستطيع استيعاب الحرب نفسها إذا ظلت محصورة. ما لا تستطيع استيعابه بسهولة هو تحول الحرب إلى أزمة مستمرة في إمدادات النفط والغاز والشحن والتأمين.
وهنا توجد ثلاثة سيناريوهات رئيسية للفترة القادمة.
في السيناريو الأول، يحدث تصعيد مؤقت ثم تعود المفاوضات، وتبدأ حركة السفن في مضيق هرمز في التحسن. في هذه الحالة، من المرجح أن ينخفض جزء كبير من علاوة المخاطر الموجودة حاليًا في أسعار النفط، ويبدأ السوق في العودة إلى التركيز على العرض والطلب الطبيعيين. في السيناريو الثاني، يستمر الصراع الحالي دون إغلاق كامل للمضيق. وهذا ربما يكون السيناريو الأكثر خطورة على المدى المتوسط، لأن السوق سيظل مضطرًا إلى تسعير علاوة مخاطر جيوسياسية مرتفعة، حتى لو لم ينقطع النفط بالكامل.
أما السيناريو الثالث، وهو الأسوأ اقتصاديًا، فيتمثل في توسع الحرب إلى هجمات مباشرة على منشآت الطاقة أو إغلاق فعلي ومستمر لمضيق هرمز. هنا لا نتحدث فقط عن ارتفاع النفط من 90 إلى 100 دولار، وإنما عن احتمال انتقال السوق إلى مستويات أعلى بكثير، خصوصًا إذا بدأت المخزونات العالمية في الانخفاض بسرعة. ولهذا السبب تحديدًا، لا أعتقد أن المستثمر يستطيع اليوم التعامل مع سعر النفط باعتباره مجرد رقم على الشاشة. السؤال الحقيقي هو كم من النفط يستطيع العالم أن يحصل عليه، وبأي تكلفة، وبأي سرعة.
النفط فوق 100 دولار.. لماذا يمثل مشكلة للاقتصاد العالمي؟
ارتفاع النفط لا يؤثر فقط على الشخص الذي يذهب إلى محطة الوقود. النفط يدخل تقريبًا في كل شيء: النقل، الطيران، الشحن، التصنيع، البتروكيماويات، الأسمدة، الزراعة، الكهرباء في بعض الاقتصادات، والخدمات اللوجستية. عندما يرتفع النفط من 70 إلى 100 دولار، لا ترتفع فاتورة البنزين فقط. ترتفع تكلفة نقل البضائع، وتكلفة تشغيل المصانع، وتكلفة السفر، وتكلفة توزيع الطعام، وتكلفة إنتاج العديد من المنتجات. وهذا يعني أن النفط يعمل كـ ضريبة عالمية على الاقتصاد عندما يرتفع بشكل حاد.
والخطر الحالي أكبر لأن ارتفاع النفط يأتي في وقت ما زالت فيه البنوك المركزية تحاول السيطرة على التضخم.
وكالة الطاقة الدولية خفضت توقعاتها للطلب العالمي على النفط في 2026، وتتوقع الآن انخفاض الطلب بنحو 1.6 مليون برميل يوميًا خلال العام، في انعكاس مباشر لتأثير إغلاق مضيق هرمز وارتفاع أسعار الوقود. وفي الوقت نفسه، تتوقع انخفاض المعروض العالمي بنحو 4.3 مليون برميل يوميًا خلال 2026، مع استمرار الخسائر في إنتاج وتصدير النفط من مناطق متأثرة بالحرب.
وهنا تظهر نقطة مهمة جدًا. ارتفاع السعر يؤدي إلى شيئين متناقضين. من ناحية، يجعل النفط أكثر ربحية للمنتجين ويحفز شركات الطاقة على زيادة الاستثمار والإنتاج.
لكن من ناحية أخرى، يجعل المستهلكين والشركات يخفضون استهلاكهم، وبالتالي يضعف الطلب الاقتصادي. ولهذا يمكن أن يتحول النفط المرتفع من محرك تضخم إلى محرك تباطؤ اقتصادي إذا استمر لفترة طويلة.
التضخم.. الخطر الذي قد يعيد تغيير كل شيء
المشكلة الأكبر بالنسبة للأسواق ليست أن النفط عند 100 دولار وحده. المشكلة هي ماذا سيفعل النفط عند 100 دولار بالتضخم؟ إذا ارتفع النفط، ترتفع تكاليف النقل والإنتاج. وإذا استمر الارتفاع، تبدأ الشركات في تمرير جزء من هذه الزيادة إلى المستهلك. وهنا ينتقل التضخم من قطاع الطاقة إلى الاقتصاد الأوسع. وهذا تحديدًا هو السيناريو الذي يخشاه الاحتياطي الفيدرالي.
فقد جاءت بيانات الوظائف الأمريكية في أغسطس قوية جدًا، مع إضافة 162 ألف وظيفة مقارنة بتوقعات عند نحو 56 ألفًا، بينما ظل معدل البطالة عند 4.1%. وقد أدى ذلك إلى ارتفاع احتمالات رفع الفائدة الأمريكية في سبتمبر إلى ما يقارب 60%. الآن أضف إلى هذه الصورة النفط عند 100 دولار. إذا كان سوق العمل قويًا والتضخم يرتفع، يصبح من الصعب جدًا على الفيدرالي أن يقول: “سنخفض الفائدة لأن الاقتصاد يحتاج إلى دعم”. سيجد نفسه أمام اقتصاد لا يزال قادرًا على خلق الوظائف، لكنه يواجه صدمة تضخمية جديدة. وهذه هي أسوأ بيئة تقريبًا لأسهم النمو.
هل نحن أمام تضخم أم ركود تضخمي؟
هذا هو السؤال الكبير. الركود التضخمي Stagflation يعني ببساطة أن الاقتصاد يتباطأ في الوقت الذي يظل فيه التضخم مرتفعًا. وهو من أسوأ السيناريوهات للمستثمر لأن البنك المركزي يصبح عالقًا. إذا كان الاقتصاد ضعيفًا، يريد المستثمر خفض الفائدة. لكن إذا كان التضخم مرتفعًا، يريد البنك المركزي رفع الفائدة أو إبقاءها مرتفعة.
وبالتالي لا يستطيع البنك المركزي إنقاذ الاقتصاد بسهولة دون المخاطرة بإعادة إشعال التضخم. وهذا هو الخطر الذي بدأت الأسواق تخشى عودته. لكن من المهم جدًا ألا نبالغ.
نحن لسنا في حالة ركود تضخمي عالمي مؤكدة الآن.
ما لدينا هو خطر متزايد من أن تؤدي صدمة الطاقة إلى خلق نسخة أخف من هذا السيناريو إذا استمرت الحرب. البنك الدولي يتوقع بالفعل تباطؤ النمو العالمي إلى 2.5% في 2026 من 2.9% في 2025، مع ارتفاع التضخم العالمي إلى نحو 4%، ويحذر من أنه إذا أصبحت اضطرابات الطاقة أكثر حدة ورافقتها ضغوط مالية، فقد ينخفض النمو العالمي إلى 1.3% ويرتفع التضخم إلى 4.4%. هذه ليست توقعات مؤكدة، لكنها توضح حجم الخطر الموجود في الطرف السلبي للتوزيع.
الاقتصاد الأمريكي.. قوي أم بدأ يضعف؟
الصورة الأمريكية حاليًا مختلطة، وهذه نقطة مهمة جدًا. الاقتصاد الأمريكي ليس في حالة انهيار. سوق العمل لا يزال قويًا نسبيًا، وتقرير أغسطس كان أفضل بكثير من المتوقع. لكن النمو نفسه بدأ في التباطؤ. فقد نما الاقتصاد الأمريكي بمعدل سنوي 1.5% في الربع الثاني من 2026، بعد نمو 2.1% في الربع الأول. وكان النمو مدعومًا بالإنفاق الاستهلاكي والصادرات والاستثمار، بينما انخفض الإنفاق الحكومي. إذن ماذا يعني ذلك؟ يعني أن الاقتصاد الأمريكي ليس ضعيفًا بما يكفي لتبرير سياسة نقدية شديدة التيسير، وليس قويًا بما يكفي لنتجاهل مخاطر ارتفاع الفائدة. وهذه منطقة حساسة جدًا للأسواق.
صندوق النقد كان يتوقع نمو الاقتصاد الأمريكي بنحو 2.4% على أساس Q4/Q4 في 2026، مع بقاء البطالة قريبة من 4%. لكنه حذر في الوقت نفسه من أن ارتفاع النفط نتيجة الحرب قد يرفع التضخم ويضغط على الاستهلاك، حتى لو استفاد قطاع الطاقة الأمريكي من ارتفاع الأسعار. وهذا يعطينا صورة أكثر دقة عن الاقتصاد الأمريكي.
الاقتصاد الأمريكي ما زال أفضل حالًا من معظم الاقتصادات الكبرى، لكنه لم يعد محصنًا ضد صدمة النفط.
لماذا النفط أخطر على أوروبا والصين من الولايات المتحدة؟
هناك فرق مهم جدًا بين الولايات المتحدة وبقية الاقتصادات الكبرى. الولايات المتحدة أصبحت منتجًا ضخمًا للنفط والغاز، ولذلك عندما يرتفع النفط، يعاني المستهلك الأمريكي من ارتفاع أسعار الوقود، لكن شركات الطاقة الأمريكية تحقق أرباحًا أعلى، والاستثمار في قطاع الطاقة يرتفع. صندوق النقد يرى أن تأثير ارتفاع النفط على النمو الأمريكي قد يكون أكثر اعتدالًا من الاقتصادات المستوردة للطاقة، لأن الولايات المتحدة مستورد صافٍ للطاقة بدرجة أقل، بينما قد يستفيد قطاع الطاقة من ارتفاع الأسعار.
أما أوروبا، فهي أكثر تعرضًا. ارتفاع النفط والغاز يعني ارتفاع تكلفة الصناعة والنقل والتدفئة والطاقة، ما يضغط على الشركات والأسر في الوقت نفسه الذي يحاول فيه البنك المركزي الأوروبي السيطرة على التضخم. والصين تقع في مكان مختلف قليلًا. هي مستورد ضخم للطاقة، وبالتالي النفط المرتفع يمثل تكلفة للاقتصاد الصيني. لكنه في الوقت نفسه يمكن أن يخلق فرصة للصين إذا استطاعت شراء النفط من مصادر بديلة بأسعار مناسبة، والاستفادة من ضعف الطلب العالمي للحصول على بعض المواد الخام بخصومات.
الصين.. هل نموها جيد أم سيئ في 2026؟
الصين ليست في حالة ركود، لكن جودة النمو الصيني أصبحت أهم من الرقم نفسه. أظهرت البيانات الرسمية أن الاقتصاد الصيني نما 4.3% على أساس سنوي في الربع الثاني من 2026، بعد نمو 5% في الربع الأول، ليصل نمو النصف الأول من العام إلى 4.7%. إذن نعم، الصين تنمو. لكنها تنمو بوتيرة أقل من السنوات التي كانت فيها تحقق 6% أو 7%، كما أن هناك مشاكل هيكلية واضحة.
صندوق النقد يتوقع نمو الاقتصاد الصيني بنحو 4.5% في 2026 بعد نمو 5% في 2025، مع استمرار ضعف التضخم ووجود طاقة إنتاجية غير مستغلة.
المشكلة الأساسية ليست فقط أن الصين تنمو بنسبة 4.5%.
المشكلة هي من أين يأتي هذا النمو؟
الصادرات والتصنيع لا يزالان قويين نسبيًا، لكن الاستهلاك المحلي والاستثمار العقاري يواجهان ضغوطًا. ولهذا فإن الصين يمكن أن تحقق نموًا 4.5%، وفي الوقت نفسه يشعر المستثمر بأن الاقتصاد أقل صحة مما يوحي به الرقم. وهذه نقطة مهمة جدًا بالنسبة للاقتصاد العالمي، لأن الصين ليست مجرد دولة كبيرة؛ إنها واحدة من أكبر محركات الطلب على السلع والطاقة والمواد الخام. إذا تباطأت الصين أكثر، فإن ذلك يمكن أن يضغط على الطلب العالمي على النفط والمعادن والشحن والسلع الصناعية.
وهذا قد يعمل في الاتجاه المعاكس للحرب: الحرب ترفع النفط من جانب العرض، بينما تباطؤ الصين يضغط على النفط من جانب الطلب. ولهذا السبب يصعب جدًا إعطاء توقع خطي لسعر النفط.
الاقتصاد العالمي.. إلى أين يتجه؟
الصورة العالمية ليست كارثية، لكنها بالتأكيد أصبحت أضعف. البنك الدولي يتوقع نموًا عالميًا عند 2.5% في 2026، وهو مستوى منخفض مقارنة بالماضي، ويشير إلى أن ثلثي الاقتصادات تقريبًا تعرضت توقعاتها للتخفيض مقارنة بتوقعات يناير. وفي الاقتصادات الناشئة والنامية، يتوقع البنك الدولي نموًا بنحو 3.6% في 2026، مقارنة بـ4.4% في 2025. إذن الاقتصاد العالمي يتحرك في اتجاه تباطؤ وليس انهيار. لكن الخطر أن الحرب تخلق نوعًا من الصدمة التي يستطيع الاقتصاد تحملها لفترة قصيرة، لكنه يجد صعوبة أكبر إذا استمرت لعام كامل.
في البداية، الشركات تستطيع تحمل ارتفاع تكلفة الوقود. ثم تبدأ في تقليل هوامش الربح. ثم ترفع الأسعار. ثم يقل إنفاق المستهلك. ثم يبدأ الطلب في التراجع. ثم تبدأ الشركات في خفض الاستثمار والتوظيف. وهنا تتحول أزمة الطاقة من مشكلة تضخم إلى مشكلة نمو.
الخليج.. الصورة ليست واحدة لكل دولة
من أهم الأخطاء أن نقول: “ارتفاع النفط جيد للخليج” وننتهي. الأمر أكثر تعقيدًا. الخليج يواجه مفارقة اقتصادية نادرة: الدول المنتجة للنفط تستفيد ماليًا من ارتفاع سعر النفط، لكنها تتضرر اقتصاديًا إذا أصبحت الحرب نفسها تعطل صادراتها وتجارتها وشحنها. السعودية مثال واضح. الاقتصاد السعودي دخل 2026 بقوة، لكن الحرب عطلت جزءًا من التجارة وصادرات النفط وأثرت على الثقة والنشاط غير النفطي. ومع ذلك، استطاعت السعودية استخدام خطوط بديلة مثل خط أنابيب شرق-غرب لنقل النفط إلى موانئ البحر الأحمر، كما أن ارتفاع سعر النفط عوض أكثر من خسارة جزء من أحجام التصدير. ويتوقع صندوق النقد نمو السعودية بنحو 1.7% في 2026، مع نمو القطاع غير النفطي 2.6%.
وهذا يوضح أن السعودية ليست في نفس وضع دولة لا تملك بدائل لوجستية. الإمارات أيضًا تمتلك قدرة أكبر على إعادة توجيه التجارة والخدمات، ولهذا تعرض اقتصادها لضربة أقل نسبيًا من الدول الأكثر اعتمادًا على المرور المباشر عبر هرمز. أما الكويت وقطر والبحرين، فالمخاطر أكبر لأن خيارات إعادة توجيه التجارة والطاقة محدودة نسبيًا. وتظهر البيانات أن تأثير أزمة هرمز كان متفاوتًا بشدة بين دول مجلس التعاون، مع تعرض قطر والكويت والبحرين لصدمات أكبر من السعودية والإمارات، بينما كانت عمان في وضع أفضل نسبيًا بسبب موقعها خارج المضيق.
وهنا تحديدًا تظهر نقطة مهمة بالنسبة للكويت. ارتفاع النفط جيد جدًا للإيرادات الحكومية إذا استطاعت الكويت بيع النفط وتصديره بشكل طبيعي. لكن إذا أصبحت حركة الملاحة نفسها هي المشكلة، فإن ارتفاع السعر لا يعوض بالضرورة انخفاض الكميات المصدرة والتكاليف اللوجستية والتأمينية.
ماذا يحدث للخليج إذا وصل النفط إلى 110 أو 120 دولارًا؟
هنا الصورة تصبح مثيرة للاهتمام. إذا وصل النفط إلى 110–120 دولارًا بسبب علاوة مخاطر مؤقتة، فإن الدول المنتجة قد تحصل على windfall مالي ضخم.
الإيرادات النفطية ترتفع، الميزانيات تتحسن، الحساب الجاري يتحسن، والسيولة في النظام المالي تزيد. لكن إذا كان النفط عند 120 دولارًا لأن الاقتصاد العالمي يواجه أزمة طاقة، فإن جزءًا من هذا المكسب يُفقد من خلال انخفاض التجارة العالمية والسياحة والاستثمار وارتفاع تكاليف الاستيراد.
ولهذا لا يمكن النظر إلى سعر النفط وحده. يجب أن نسأل: لماذا النفط عند 120؟ إذا كان عند 120 بسبب ارتفاع الطلب العالمي، فهذا شيء ممتاز للمنتجين. أما إذا كان عند 120 بسبب حرب أغلقت هرمز، فهذا شيء مختلف تمامًا. الأول يسمى demand-driven inflation، والثاني supply shock. والـ supply shock أخطر بكثير على الاقتصاد العالمي.
النفط والولايات المتحدة.. لماذا قد يكون ارتفاعه مشكلة رغم إنتاج أمريكا؟
الولايات المتحدة لديها ميزة مهمة: إنتاجها المحلي من النفط والغاز. لكن هذا لا يعني أن ارتفاع النفط لا يؤذيها. سعر النفط العالمي ينعكس على أسعار البنزين والديزل والطيران والبتروكيماويات والنقل. كما أن المستهلك الأمريكي لديه دخل محدود. إذا أصبح الوقود أغلى، فإن جزءًا أكبر من دخل الأسرة يذهب إلى الطاقة، ويبقى مبلغ أقل للإنفاق على المطاعم والملابس والسفر والخدمات.
وهذا هو ما يسمى أثر الدخل. ثم هناك الشركات. إذا كانت شركة نقل تنفق أكثر على الوقود، وشركة طيران تدفع أكثر للوقود، ومصنع يدفع أكثر للطاقة، فإن الهوامش تتعرض للضغط. وبالتالي يمكن لارتفاع النفط أن يؤدي إلى: تضخم أعلى → إنفاق أقل → هوامش أقل → نمو أبطأ. وفي الوقت نفسه، هناك قطاع الطاقة الذي يستفيد.
ولهذا يرى صندوق النقد أن التأثير الكلي على النمو الأمريكي قد يكون أكثر توازنًا من الاقتصادات المستوردة للطاقة، لكنه يحذر من أن ارتفاع النفط لفترة طويلة يمكن أن يخلق تأثيرات تضخمية أوسع على الاقتصاد.
ماذا يعني هذا لأسواق الأسهم؟
هنا نصل إلى الجزء الذي يهم المستثمر أكثر. السوق لا يخاف من التضخم وحده. ولا يخاف من الفائدة وحدها. السوق يخاف من اجتماع التضخم المرتفع مع ارتفاع الفائدة وتباطؤ النمو. وهذه هي البيئة التي يجب مراقبتها الآن. إذا ارتفع النفط، وارتفع CPI، وارتفعت عوائد سندات الخزانة، فإن أسهم التكنولوجيا والنمو تكون الأكثر حساسية.
لماذا؟ لأن جزءًا كبيرًا من قيمة شركات التكنولوجيا مبني على أرباح مستقبلية. عندما يرتفع معدل الخصم، تصبح تلك الأرباح المستقبلية أقل قيمة اليوم. وهذا يفسر لماذا يمكن أن يكون تقرير اقتصادي قوي خبرًا جيدًا للاقتصاد لكنه سيئًا لسوق الأسهم.
وظائف قوية → الفيدرالي يستطيع رفع الفائدة → العوائد ترتفع → مضاعفات الأسهم تنخفض. وفي المقابل: وظائف ضعيفة → احتمال خفض الفائدة يرتفع → العوائد تنخفض → مضاعفات الأسهم تتحسن. لكن هناك فخ. إذا كانت الوظائف ضعيفة جدًا، يبدأ المستثمر في الخوف من الركود. إذن السوق يريد منطقة مثالية: نمو جيد، تضخم منخفض، وفائدة تنخفض تدريجيًا. الحرب والنفط يهددان بإخراج الاقتصاد من هذه المنطقة.
الذهب والدولار والسندات.. أين يذهب المستثمرون في الأزمة؟
الأمر ليس بسيطًا أيضًا. عادةً، الحرب تعني شراء الذهب. لكن إذا رفعت الحرب أسعار النفط والتضخم، وأدت إلى رفع الفائدة، فقد ترتفع عوائد السندات، ويصبح الذهب أقل جاذبية. ولهذا رأينا الذهب يتحرك في بيئة متناقضة. الخوف الجيوسياسي يدعم الذهب، لكن ارتفاع العوائد يضغط عليه. والدولار أيضًا ليس بالضرورة المستفيد التلقائي. في الأزمات التقليدية، يذهب المستثمرون إلى الدولار باعتباره ملاذًا آمنًا. لكن عندما تكون الولايات المتحدة نفسها طرفًا في الحرب، وعندما تكون هناك مخاوف مالية وتضخمية داخل الولايات المتحدة، يمكن أن يصبح الطلب على الدولار أقل وضوحًا.
أما السندات، فهي تواجه معادلة صعبة جدًا. الأزمة الاقتصادية عادة تدفع المستثمر إلى السندات. لكن التضخم يدفع عوائد السندات إلى الأعلى. لذلك قد نشهد في الفترة المقبلة تقلبًا غير عادي في سوق السندات إذا استمرت صدمة النفط. إذن.. الحرب رايحة فين؟ من الصعب جدًا أن أقول إن الحرب ستنتهي في تاريخ محدد، وأي شخص يقدم لك هذا النوع من اليقين الآن فهو يتجاوز ما تسمح به المعلومات.
لكن يمكن تحليل المسار. الولايات المتحدة لديها حافز لإنهاء الأزمة إذا أصبح الضغط الاقتصادي على إيران فعالًا وبدأت طهران تقبل بعودة حركة الملاحة في هرمز.
وفي المقابل، إيران لديها حافز للاحتفاظ بورقة هرمز لأنها واحدة من أقوى أدوات الضغط التي تمتلكها. لكن قدرتها على إغلاق المضيق بالكامل ليست بلا حدود.
فالحصار والضغط الاقتصادي الأمريكي أضعفا قدرة إيران على تصدير النفط والحصول على العملات الأجنبية، وأصبحت الأزمة الاقتصادية الداخلية أكثر حدة. وتشير تقارير حديثة إلى أن الضغط الأمريكي أدى إلى انخفاض كبير في صادرات النفط الإيرانية وتراجع الإيرادات، مع استمرار طهران رغم ذلك في مقاومة الضغوط بدلًا من تقديم تنازلات سريعة.
ولهذا أرى أن السيناريو الأساسي اقتصاديًا ليس حربًا عالمية مفتوحة، وإنما أزمة طويلة ومتوترة يتخللها تصعيد وتهدئة ومحاولات تفاوض. لكن المخاطرة الحقيقية هي أن يحدث خطأ في الحسابات. هجوم على منشأة طاقة كبيرة. إصابة سفينة أمريكية. إغلاق فعلي للمضيق. ضربة على منشأة نفط سعودية أو إماراتية. أي حدث من هذه الأحداث يمكن أن يرفع علاوة المخاطر في النفط بسرعة كبيرة.
السيناريوهات الثلاثة للأسواق في الأشهر القادمة
السيناريو الأول: التهدئة إذا نجحت المفاوضات وعادت حركة الملاحة عبر هرمز تدريجيًا، فإن النفط يمكن أن يتراجع، وتنخفض علاوة المخاطر، وتبدأ توقعات التضخم في التحسن. هذا سيكون أفضل سيناريو للأسهم. عوائد السندات تنخفض، وضغط الفائدة يقل، وأسهم التكنولوجيا تحصل على مساحة للتعافي. في هذا السيناريو، يمكن أن يتحول ارتفاع النفط الحالي إلى مجرد صدمة مؤقتة.
السيناريو الثاني: حرب طويلة لكن دون إغلاق كامل لهرمز هذا في رأيي هو السيناريو الذي يجب أن يأخذه المستثمر بجدية أكبر. الحرب تستمر، النفط يبقى مرتفعًا، لكن تدفقات الطاقة تستمر جزئيًا. في هذه الحالة يمكن أن يبقى برنت في نطاق مرتفع، وتظل توقعات التضخم غير مريحة، ويبقى الفيدرالي أكثر تشددًا مما كانت الأسواق تتمنى.
وهذا يعني سوقًا متقلبًا وليس بالضرورة سوقًا هابطًا بالكامل. قد تستمر أسهم الطاقة في التفوق، بينما تتعرض قطاعات التكنولوجيا والعقارات لضغط أكبر.
السيناريو الثالث: صدمة هرمز هذا هو السيناريو الذي يجب أن تخشاه الأسواق. إذا تعطلت حركة النفط بشكل حاد ومستمر، فقد نرى النفط عند مستويات أعلى بكثير من 100 دولار. والبنك الدولي يوضح حجم المخاطرة: إذا أصبحت اضطرابات الطاقة أكثر شدة وترافقت مع ضغوط مالية، فقد ينخفض النمو العالمي إلى 1.3% مع ارتفاع التضخم إلى 4.4%.
في هذه الحالة لا تصبح القضية “هل سيرفع الفيدرالي الفائدة؟” بل تصبح: هل يستطيع الفيدرالي خفض الفائدة أصلًا بينما التضخم يرتفع؟ وهنا ندخل في بيئة ركود تضخمي حقيقية، وهي البيئة الأكثر خطورة على تقييمات الأسهم. ماذا أرى في الصورة الكاملة؟ إذا وضعت كل القطع فوق بعضها، فإن الصورة ليست أن الاقتصاد العالمي ينهار. الصورة هي أن هامش الأمان أصبح أقل. الاقتصاد الأمريكي لا يزال ينمو وسوق العمل لا يزال قويًا نسبيًا، لكن النمو تباطأ إلى 1.5% في الربع الثاني. الصين لا تزال تنمو، لكنها تتباطأ إلى 4.3% في الربع الثاني، بينما يتوقع صندوق النقد نموًا يقارب 4.5% للعام كله.
العالم ينمو، لكن البنك الدولي يتوقع 2.5% فقط في 2026. الخليج لديه ميزة النفط، لكنه في الوقت نفسه يقع في مركز الأزمة. والنفط هو العامل الذي يربط كل شيء ببعضه. إذا انخفض النفط، يمكن للأسواق أن تعود بسرعة إلى قصص الذكاء الاصطناعي، والنمو، والأرباح، وخفض الفائدة. إذا بقي النفط عند 100 دولار، تصبح الصورة أكثر صعوبة.
إذا وصل إلى 120 دولارًا واستمر هناك، تبدأ قصة مختلفة تمامًا. وإذا حدث إغلاق واسع لمضيق هرمز، فإننا نتحدث عن صدمة اقتصادية عالمية وليس مجرد ارتفاع في سعر سلعة. ما الذي يجب أن يراقبه المستثمر الآن؟ أهم شيء في الفترة الحالية ليس محاولة توقع حركة S&P 500 أو Nasdaq من الرسم البياني وحده. راقب النفط → التضخم → عوائد السندات → الفيدرالي → الأسهم.
هذه هي السلسلة التي تحرك السوق الآن. إذا ظل برنت مرتفعًا، لكن التضخم لم يتسارع، فقد تستطيع الأسواق تحمل الصدمة. إذا ارتفع برنت ومعه CPI، فستبدأ عوائد السندات في الضغط على الأسهم. إذا ارتفع النفط والتضخم بينما بدأ الاقتصاد وسوق العمل في الضعف، فهنا يظهر خطر الركود التضخمي. أما إذا حدثت تهدئة في الشرق الأوسط وانخفض النفط، فسيختفي جزء كبير من الضغط بسرعة، وقد تعود الأسواق إلى التركيز على النمو والأرباح والذكاء الاصطناعي.
لذلك، الخطر الأكبر في رأيي ليس أن النفط وصل إلى 100 دولار اليوم. الخطر هو أن يظل عند 100 دولار أو أكثر لفترة طويلة. الاقتصاد العالمي يستطيع امتصاص صدمة قصيرة. ما يصعب عليه هو صدمة طاقة مستمرة. وهذه هي النقطة التي يجب أن يبني عليها المستثمر قراراته خلال الفترة القادمة.