Table of Contents
تواجه الأسواق الأمريكية معادلة أكثر تعقيدًا مع استمرار ارتفاع عوائد سندات الخزانة إلى مستويات لم تشهدها منذ سنوات طويلة، ما أدى إلى انتقال الضغوط تدريجيًا من سوق السندات إلى تكلفة التمويل بالنسبة للحكومة والشركات والأفراد، في الوقت الذي أظهرت فيه البيانات الاقتصادية الصادرة اليوم بعض علامات التباطؤ في الطلب وسوق العمل.
ويتحرك عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات حول 5.2%، بعد وصوله إلى أعلى مستوياته منذ عام 2007، فيما وصلت عوائد السندات طويلة الأجل إلى مستويات أعلى، مع اقتراب عائد الثلاثين عامًا من 5.6%. ويأتي ذلك في ظل استمرار مخاوف التضخم وارتفاع أسعار الطاقة والمخاطر الجيوسياسية، إضافة إلى توقعات بقاء أسعار الفائدة مرتفعة.
تكلفة التمويل تنتقل إلى المستهلك
المشكلة لا تقتصر على ارتفاع تكلفة اقتراض الحكومة الأمريكية؛ فارتفاع عوائد السندات ينعكس على تكلفة التمويل في مختلف أنحاء الاقتصاد.
فمتوسط الرهن العقاري الثابت لأجل 30 عامًا يدور اليوم حول 7.3%، ما يعني استمرار الضغوط على القدرة الشرائية للأسر وعلى سوق الإسكان الأمريكي. وتشير البيانات اليومية إلى أن معدل الرهن لـ30 عامًا بلغ قرابة 7.37%، مرتفعًا بنحو 31 نقطة أساس خلال أسبوع واحد.
كما تبقى تكلفة تمويل السيارات وبطاقات الائتمان وقروض الشركات عند مستويات مرتفعة، وهو ما يجعل أثر السياسة النقدية يتجاوز قرار الاحتياطي الفيدرالي نفسه، إذ أصبحت الأسواق من خلال ارتفاع عوائد السندات تفرض شروطًا مالية أكثر تشددًا على الاقتصاد.
الوظائف الشاغرة تتراجع
وفي المقابل، حملت بيانات سوق العمل الصادرة اليوم إشارات على تباطؤ الطلب على العمالة.
فقد تراجع عدد الوظائف الشاغرة وفق تقرير JOLTS إلى 7.079 مليون وظيفة في أغسطس، مقابل 7.335 مليون بعد تعديل قراءة يوليو، كما جاءت القراءة أقل من توقعات الأسواق البالغة 7.225 مليون وظيفة.
لكن الصورة ليست سلبية بالكامل، إذ ارتفع التوظيف إلى 5.192 مليون، بينما تراجعت عمليات التسريح والفصل إلى 1.641 مليون.
وهذا يشير إلى أن سوق العمل لا يشهد حتى الآن موجة واسعة من فقدان الوظائف، لكن الشركات أصبحت أكثر حذرًا في إضافة وظائف جديدة.
ثقة المستهلك تهبط لأدنى مستوى منذ 2014
الإشارة الأكثر وضوحًا على الضغوط التي يشعر بها المستهلك الأمريكي جاءت من مؤشر ثقة المستهلك الصادر عن Conference Board.
فقد انخفض المؤشر خلال سبتمبر بمقدار 6.7 نقاط إلى 81.9 نقطة، مسجلًا أدنى مستوى له منذ عام 2014، بينما كانت الأسواق تتوقع قراءة عند 89.2 نقطة.
كما أصبحت نظرة المستهلكين إلى ظروف الأعمال الحالية سلبية للمرة الأولى منذ سبتمبر 2024، مع تراجع تقييمهم لأوضاع سوق العمل وتزايد القلق بشأن الأشهر المقبلة.
معادلة أكثر صعوبة أمام الفيدرالي
تكمن المشكلة في أن الاقتصاد الأمريكي يواجه حاليًا قوتين متعاكستين.
فمن جهة، ارتفاع أسعار الطاقة والمخاوف التضخمية يدفعان عوائد السندات وتكلفة التمويل إلى الأعلى ويحدان من قدرة الاحتياطي الفيدرالي على تخفيف السياسة النقدية.
ومن جهة أخرى، بدأت بعض مؤشرات الاقتصاد الحقيقي في إظهار علامات ضعف، سواء من خلال تراجع الوظائف الشاغرة أو الهبوط الحاد في ثقة المستهلك.
وكان الاحتياطي الفيدرالي قد رفع الفائدة هذا الشهر بمقدار 25 نقطة أساس إلى نطاق 3.75%–4.00%، بينما كانت الأسواق، وفق بيانات السوق اليوم، تسعّر احتمالًا يقارب 70% لرفع إضافي في أكتوبر.
ارتفاع عوائد السندات لم يعد مجرد حركة داخل أسواق الدخل الثابت، بل أصبح يمثل ارتفاعًا واسعًا في تكلفة المال داخل الاقتصاد الأمريكي.
الحكومة تقترض طويل الأجل بعوائد تتجاوز 5%، والرهن العقاري تجاوز 7%، وتمويل الأسر والشركات أصبح أكثر تكلفة، بينما بدأت بيانات الوظائف وثقة المستهلك تظهر أولى علامات الضغط.
تباين مؤشرات الأسهم مع ترقب المفاوضات الأمريكية–الإيرانية
ولهذه الأسباب، نجد أن مؤشرات الأسهم الأمريكية تتحرك بصورة متباينة ومحدودة اليوم، إذ تحاول الأسواق الموازنة بين الضغوط الناتجة عن ارتفاع عوائد السندات وتكلفة التمويل، وبين الدعم الذي تتلقاه بعض أسهم التكنولوجيا. وحتى نحو الساعة 10:18 صباحًا بتوقيت نيويورك، تراجع مؤشر داو جونز بنحو 0.17% إلى 51,393 نقطة، بينما استقر S&P 500 تقريبًا دون تغير عند 7,683 نقطة، في حين تحرك ناسداك المركب بصورة شبه مستقرة عند 26,822 نقطة. كما بقي عائد سندات الخزانة لأجل عشر سنوات مرتفعًا قرب 5.08% في تلك اللحظة، وهو ما يستمر في الضغط على تقييمات الأسهم وتكلفة الاقتراض.
وفي الوقت نفسه، تترقب الأسواق تطورات المباحثات الأمريكية–الإيرانية، بعد استمرار الاتصالات المنفصلة بين الطرفين والوسطاء في محاولة للوصول إلى صيغة معدلة للمقترحات المطروحة وإنهاء الصراع وإعادة فتح مضيق هرمز. إلا أن حالة عدم اليقين لا تزال مرتفعة، خصوصًا بعد تأكيد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أنه لم يقدم لإيران عرضًا لتخفيف العقوبات مقابل إنهاء الحرب.
أما الدولار الأمريكي فما يزال مرتفعًا نسبيًا مقارنة بمستوياته في وقت سابق من سبتمبر، مدعومًا بارتفاع عوائد السندات وتوقعات بقاء السياسة النقدية متشددة، إلى جانب الطلب على الدولار في ظل حالة عدم اليقين الجيوسياسي. وقد ارتفع مؤشر الدولار بنحو 2.8% من قاعه الأخير في سبتمبر، بعدما تجاوز متوسطه المتحرك لـ100 أسبوع قرب 100.7 نقطة، رغم ظهور بعض الإشارات إلى تباطؤ الزخم الصعودي خلال الجلسات الأخيرة.
وبالتالي، تبقى الأسواق حاليًا أمام مجموعة من العوامل المتعارضة: تكلفة تمويل مرتفعة وعوائد سندات قوية من جهة، مقابل بعض علامات تباطؤ الاقتصاد واستمرار المفاوضات الأمريكية–الإيرانية من جهة أخرى، وهو ما يفسر حالة التذبذب وعدم وجود اتجاه موحد لمؤشرات الأسهم الأمريكية والأسواق الأخرى ككل.