كيف تحلل أي شركة في البورصة؟ ابدأ بفهم محركها الاقتصادي.

 عندما يقرر المستثمر شراء سهم في البورصة، غالبًا ما يبدأ من المكان الخطأ. يفتح القوائم المالية، ينظر إلى الأرباح، ثم يبدأ في مقارنة مضاعف الربحية P/E Ratio والعائد على حقوق الملكية ROE. وباقي النسب المالية مع شركات أخرى، وبعد ذلك يحاول أن يقرر ما إذا كان السهم رخيصًا أم غاليًا. لكن تحليل الشركات لا يبدأ من هذه النقطة. قبل أن تسأل عن سعر السهم أو مضاعف الربحية، هناك سؤال أبسط وأهم بكثير: كيف تكسب هذه الشركة أموالها؟
قد يبدو السؤال بدائيًا، لكنه في الحقيقة هو نقطة البداية لتحليل أي نشاط اقتصادي. فكل شركة لديها طريقة مختلفة لصناعة المال، وما يجعل شركة ناجحة قد يكون مختلفًا تمامًا عما يجعل شركة أخرى ناجحة. ولذلك لا يمكن أن تحلل بنكًا بنفس الطريقة التي تحلل بها شركة عقارات، ولا شركة اتصالات بنفس الطريقة التي تحلل بها شركة تجزئة.
الفكرة الأساسية هي أن تنظر إلى الشركة باعتبارها آلة اقتصادية. هناك أموال وموارد تدخل إلى هذه الآلة، والشركة تستخدمها في نشاطها، ثم تخرج في النهاية بإيرادات وأرباح وتدفقات نقدية. مهمتك كمستثمر هي أن تفهم كيف تعمل هذه الآلة، وما الذي يجعلها تتحسن أو تضعف، ثم تستخدم الأرقام المالية لقياس مدى كفاءتها.
ابدأ دائمًا بالسؤال: ما الذي يحرك أرباح الشركة؟
لنفترض أنك تدرس شركة تعمل في تجارة الملابس. الشركة تشتري البضاعة من الموردين، وتخزنها ثم تعرضها في المتاجر، وبعد ذلك يأتي العملاء ويشترونها. في هذه الحالة، هناك مجموعة من الأشياء التي تتحكم بشكل مباشر في قدرة الشركة على تحقيق الأرباح: كمية المخزون، وعدد المتاجر، وحجم المبيعات التي يحققها كل متجر، والهامش الذي تكسبه من كل عملية بيع. لذلك، عندما تحلل شركة تجزئة، لا يكفي أن تعرف أن أرباحها ارتفعت. يجب أن تعرف لماذا ارتفعت.
هل زادت المبيعات في المتاجر الموجودة بالفعل؟ أم أن الشركة فتحت عشرات المتاجر الجديدة؟ وهل المتاجر الجديدة تحقق عائدًا جيدًا على الأموال التي تم استثمارها فيها؟ وهل الشركة تبيع مخزونها بسرعة، أم أن البضاعة تتراكم في المخازن؟
هنا تبدأ الأرقام المالية في اكتساب معناها الحقيقي.
فمثلًا، هناك نسبة تقيس سرعة دوران المخزون، وهي تخبرك بشكل مبسط عن مدى سرعة تحول البضاعة الموجودة لدى الشركة إلى مبيعات. إذا كانت الشركة تشتري كميات ضخمة من البضاعة ولكنها لا تستطيع بيعها، فهناك أموال كثيرة محبوسة داخل المخزون. أما إذا كانت البضاعة تتحرك بسرعة، فالشركة تستطيع استعادة أموالها وإعادة استخدامها في شراء بضاعة جديدة. إذن الرقم وحده ليس هو المهم. المهم أن تفهم لماذا هذا الرقم مهم لهذه الشركة تحديدًا.
البنك له محرك اقتصادي مختلف تمامًا
خذ البنك كمثال آخر. البنك لا يشتري منتجات ويضعها على أرفف ليبيعها للعملاء. عمله مختلف جذريًا. البنك يحصل على الأموال من المودعين ومصادر أخرى، ثم يستخدم جزءًا منها في إقراض العملاء والشركات والاستثمار في أصول مختلفة. ويحصل في المقابل على عوائد وفوائد. لذلك فإن أحد المحركات الأساسية لأرباح البنك هو الفرق بين العائد الذي يحصل عليه على أمواله والتكلفة التي يدفعها للحصول عليها. لكن هذا ليس كل شيء. البنك يمكن أن يبدو مربحًا جدًا على الورق، ثم يواجه مشكلة كبيرة بعد فترة إذا كانت القروض التي منحها لعملائه ضعيفة الجودة. فالبنك في النهاية يتعامل مع وعد من العميل بأن يعيد الأموال مع الفائدة. وإذا لم يستطع العميل السداد، يتحول جزء من هذه القروض إلى خسائر محتملة للبنك.
لذلك عندما تحلل بنكًا، يجب أن تنظر إلى أكثر من مجرد الأرباح. تريد أن تعرف جودة القروض، ونسبة القروض المتعثرة، وقدرة البنك على تحمل الخسائر، وكذلك مقدار رأس المال الذي يمتلكه لحماية نفسه. وهنا تظهر أهمية بعض النسب الخاصة بالبنوك. على سبيل المثال، هامش صافي الفائدة يساعدك على فهم مقدار ما يكسبه البنك من نشاطه الأساسي في الاقتراض والإقراض، بينما تساعدك نسبة القروض المتعثرة على معرفة جودة محفظة القروض. لاحظ الفرق هنا: نفس النسب التي قد تكون مهمة جدًا للبنك قد لا يكون لها أي معنى تقريبًا عند تحليل شركة تبيع الملابس. والسبب بسيط: المحرك الاقتصادي مختلف.
شركة العقارات قصة أخرى
عندما تنتقل إلى شركة عقارية، تتغير طريقة التفكير مرة أخرى. إذا كانت الشركة تمتلك مولًا تجاريًا، مثلًا، فإن مصدر القيمة الأساسي ليس عدد المنتجات التي تبيعها، وإنما العقار نفسه وقدرته على توليد دخل. لذلك ستبدأ بأسئلة مختلفة: ما نسبة المساحات المؤجرة؟ كم تدفع الشركات المستأجرة؟ هل الإيجارات ترتفع مع الوقت؟ وهل المستأجرون قادرون على الاستمرار في الدفع؟ وكم من الأموال يولدها العقار بعد مصاريف تشغيله؟ وهنا تظهر أهمية مفهوم مثل الدخل التشغيلي للعقار، أي مقدار الدخل الذي يولده العقار من نشاطه الأساسي بعد مصاريف التشغيل المرتبطة به.
كما أن قيمة العقار نفسه تصبح مهمة جدًا. فقد تكون الشركة تحقق أرباحًا سنوية معقولة، لكن لديها في الوقت نفسه أصول عقارية ضخمة يمكن أن تكون قيمتها السوقية أعلى بكثير مما يظهر في بعض الأرقام المحاسبية. لذلك، عند تحليل شركة عقارية، لا تنظر فقط إلى الأرباح. انظر إلى العقارات نفسها، وقدرتها على توليد الدخل، ونسبة إشغالها، وحجم الديون المرتبطة بها، وقيمة الأصول التي تمتلكها الشركة. مرة أخرى، نحن لا نبدأ من النسبة المالية. نحن نبدأ من فهم النشاط، ثم نبحث عن الأرقام التي تستطيع أن تقيس هذا النشاط.
وفي شركات الاتصالات، العميل هو جزء أساسي من ماكينة الأرباح
شركة الاتصالات لديها نموذج مختلف تمامًا. الشركة تبني شبكة وتستثمر فيها، ثم تستخدم هذه الشبكة لتقديم خدمات لملايين العملاء. وبالتالي، فإن عدد العملاء وما يدفعه كل عميل واستمرار العملاء مع الشركة تصبح عوامل أساسية في تحديد الإيرادات. إذا كان لدى شركة اتصالات عشرة ملايين عميل، فإن السؤال ليس فقط: هل أصبحوا أحد عشر مليونًا؟
بل يجب أن تسأل أيضًا: كم يدفع العميل الواحد؟ وهل العملاء الجدد مربحون؟ وهل العملاء الحاليون يستمرون مع الشركة أم ينتقلون إلى المنافسين؟ لذلك نجد أن المستثمر يهتم بمؤشر مثل متوسط الإيراد من العميل، لأنه يساعده على معرفة مقدار ما تحصل عليه الشركة من كل عميل. كما يهتم بمعدل فقدان العملاء، لأن ارتفاعه قد يعني أن الشركة تواجه مشكلة في الأسعار أو جودة الخدمة أو المنافسة.
ثم تأتي مسألة أخرى مهمة جدًا: الاستثمار في الشبكات. شركة الاتصالات تحتاج إلى إنفاق مبالغ كبيرة باستمرار على الأبراج والشبكات والتكنولوجيا. لذلك لا يكفي أن ترى الأرباح ترتفع. يجب أن تعرف أيضًا مقدار الأموال التي تحتاج الشركة إلى إنفاقها للحفاظ على نشاطها وتنميته. وهنا نبدأ في النظر إلى التدفقات النقدية، لأن الربح المحاسبي وحده لا يخبرنا دائمًا بكمية الأموال التي بقيت فعلًا داخل الشركة.
لا يوجد رقم واحد يخبرك إذا كانت الشركة جيدة وهذه من أهم النقاط التي يجب أن يفهمها المستثمر. لا توجد نسبة مالية سحرية تستطيع أن تخبرك أن الشركة ممتازة أو سيئة. إذا قلت لك إن شركة لديها عائد على حقوق الملكية يبلغ 25%، فهذا الرقم وحده لا يكفي. يجب أن تعرف كيف وصلت الشركة إلى هذا العائد، وما مقدار الديون التي تستخدمها، وما طبيعة نشاطها، وما المخاطر التي تتحملها، وكم من رأس المال تحتاجه لكي تستمر في النمو.
الأمر نفسه ينطبق على مضاعف الربحية.
أن تقول إن سهمًا يتداول عند 8 مرات الأرباح لا يعني تلقائيًا أنه رخيص، كما أن سهمًا يتداول عند 25 مرة لا يعني تلقائيًا أنه غالي. ربما الشركة الأولى تعاني من تراجع طويل الأجل، بينما الشركة الثانية لديها فرصة للنمو لسنوات طويلة. لذلك لا ينبغي أن تكون مهمتك هي البحث عن رقم منخفض. مهمتك هي أن تفهم الاقتصاد الذي يقف خلف الرقم.
السؤال الأهم: كم تحتاج الشركة من المال لكي تنمو؟
هناك فرق كبير بين شركة تستطيع أن تزيد أرباحها باستخدام الأموال الموجودة لديها، وشركة تحتاج إلى ضخ مبالغ ضخمة كل عام حتى تحقق نموًا بسيطًا. تخيل شركتين تحقق كل منهما نموًا في الأرباح بنسبة 20%. الشركة الأولى تحتاج إلى استثمار مبلغ صغير نسبيًا لتحقيق هذا النمو، بينما تحتاج الشركة الثانية إلى استثمار مبالغ ضخمة في مصانع ومعدات ومخزون وديون جديدة.
على الورق، الشركتان تنموان بنفس السرعة. لكن اقتصاديًا، قد تكون الشركة الأولى أفضل بكثير. وهنا يأتي مفهوم مهم جدًا في تحليل الشركات، وهو العائد على رأس المال. ببساطة، هذا المؤشر يحاول الإجابة عن سؤال: عندما تضع الشركة أموالًا في نشاطها، كم من العائد تستطيع أن تحقق من هذه الأموال؟ وهذا السؤال مهم جدًا لأن النمو له تكلفة. ليس المهم فقط أن تقول: “الشركة تنمو.” بل يجب أن تسأل: “كم يكلف هذا النمو؟” وهل كل جنيه جديد تستثمره الشركة يستطيع أن يولد عائدًا جيدًا؟
إذا كانت الإجابة نعم، فالنمو يمكن أن يكون مصدرًا قويًا لخلق القيمة للمساهمين. أما إذا كانت الشركة تضخ أموالًا باستمرار ولكن العائد على هذه الأموال ضعيف، فقد يكون النمو في حد ذاته غير مفيد.
ماذا تفعل بالأرباح التي تحققها؟
هناك سؤال آخر يكشف الكثير عن جودة الإدارة. بعد أن تحقق الشركة أرباحًا، ماذا تفعل بها؟ يمكنها أن توزع جزءًا منها على المساهمين، أو تستخدمها في فتح فروع جديدة، أو بناء مصانع، أو شراء شركات أخرى، أو سداد الديون، أو الاحتفاظ بها نقدًا. وهنا يجب أن نسأل: هل الإدارة تستخدم هذه الأموال بطريقة تحقق للمساهمين عائدًا جيدًا؟ الشركة الممتازة ليست بالضرورة الشركة التي تحقق أكبر أرباح اليوم. قد تكون الشركة الأفضل هي التي تستطيع أخذ الأرباح التي تحققها اليوم وإعادة استثمارها بطريقة تجعلها تحقق أرباحًا أكبر بكثير بعد خمس أو عشر سنوات.
ولهذا السبب، فإن فهم طريقة استخدام الشركة لرأس مالها لا يقل أهمية عن فهم طريقة تحقيقها للأرباح. من هنا تبدأ قراءة القوائم المالية بشكل مختلف عندما تفهم المحرك الاقتصادي للشركة، ستبدأ في قراءة القوائم المالية بطريقة مختلفة تمامًا. لن ترى المخزون مجرد رقم في الميزانية، بل ستسأل: هل هذه البضاعة تتحرك بسرعة؟ ولن ترى القروض في البنك مجرد رقم ضخم، بل ستسأل: هل هذه القروض جيدة؟ وهل العملاء قادرون على السداد؟ ولن ترى العقارات مجرد أصول في الميزانية، بل ستسأل: كم دخلًا تولد؟ وما قيمتها الحقيقية؟ ولن ترى المصروفات الرأسمالية لشركة الاتصالات مجرد رقم كبير، بل ستسأل: هل هذه الاستثمارات ضرورية؟ وهل تحقق عائدًا جيدًا؟
هنا تتحول القوائم المالية من مجموعة أرقام صعبة إلى قصة عن الشركة نفسها.
وفي النهاية فقط يأتي سعر السهم
بعد أن تفهم الشركة، وتعرف كيف تكسب المال، وما الذي يحرك أرباحها، وما المخاطر التي تواجهها، وكم تحتاج من رأس المال لكي تنمو، وكيف تستخدم أرباحها، يأتي السؤال الأخير: كم تساوي هذه الشركة؟ هنا فقط يصبح التقييم منطقيًا. يمكنك وقتها استخدام مضاعف الربحية أو التدفقات النقدية أو أي طريقة أخرى مناسبة لطبيعة النشاط. لكنك الآن تستخدم هذه الأدوات بعد أن فهمت الشركة، وليس بدلًا من فهمها.
وهذا فرق جوهري. فالتقييم ليس مجرد البحث عن سهم يتداول عند مضاعف منخفض. التقييم هو محاولة لمعرفة ما إذا كان السعر الذي يدفعه السوق اليوم منطقيًا مقارنة بالأموال التي تستطيع الشركة أن تولدها في المستقبل والمخاطر التي تتحملها. أفضل طريقة لبدء تحليل أي شركة ليست أن تسأل: “ما هو مضاعف الربحية؟” وليست أن تبدأ بحفظ عشرات النسب المالية.
ابدأ بسؤال واحد:

ما هو المحرك الاقتصادي لهذا النشاط؟

ما الذي يجعل شركة التجزئة تكسب؟ المخزون والمتاجر والمبيعات.
ما الذي يجعل البنك يكسب؟ الأموال التي يديرها، والفارق بين عوائدها وتكلفتها، وجودة القروض التي يمنحها.
ما الذي يجعل شركة العقارات تكسب؟ العقارات التي تمتلكها، وقدرتها على توليد دخل، وقيمتها.
وما الذي يجعل شركة الاتصالات تكسب؟ العملاء، وما يدفعونه، واستمرارهم، وقدرة الشركة على تقديم الخدمة بكفاءة.
بعد ذلك فقط نستخدم الأرقام والنسب التي تساعدنا على قياس هذا المحرك. وفي النهاية، لا تنسَ أن السهم ليس مجرد رمز يتحرك على شاشة البورصة. وراء كل سهم شركة حقيقية، ووراء كل شركة ماكينة اقتصادية. وكلما فهمت هذه الماكينة بشكل أفضل، أصبحت قراءتك للقوائم المالية أفضل، وأصبحت قدرتك على تقييم الشركة واتخاذ قرار استثماري أكثر عقلانية. ابدأ دائمًا من البيزنس… ثم انتقل إلى الأرقام… وفي النهاية فقط انظر إلى السعر.

Related posts

حاملة الطائرات.. وليست البيانات هي التي تهم الأسواق

بيانات سوق العمل الأمريكي تضعف بقوة والتضخم الأوروبي يتسارع

التضخم الأمريكي ينفجر في سبتمبر.. والأنظار إلى بيانات سوق العمل غداً