تشير البيانات الأولية الصادرة عن شهر سبتمبر والمتعلقة بالقطاع الصناعي الأمريكي إلى تسارع لافت في ضغوط الأسعار، في وقت لا يزال فيه الاقتصاد الأمريكي يحافظ على مستويات جيدة من الإنتاج والنمو، ما يعيد مخاطر التضخم إلى واجهة المشهد الاقتصادي.
وأظهرت بيانات القطاع الصناعي الصادرة اليوم أن مؤشر الأسعار قفز إلى 77.9 نقطة في سبتمبر، مقارنة بـ71.1 نقطة في أغسطس. وبقاء المؤشر أعلى من مستوى 50 نقطة يعني استمرار ارتفاع الأسعار، بينما تعكس القراءات الواقعة في نطاق السبعين والثمانين وتيرة شديدة القوة في نمو الأسعار.
النقطة الأهم في الرسم: بعد تراجع الضغوط السعرية من ذروة أبريل، عادت الأسعار للتسارع بقوة في سبتمبر، إذ قفز المؤشر من 71.1 إلى 77.9.
من المتوقع أن تظهر ضغوط مماثلة في القطاع الخدمي، خصوصاً بعد الارتفاع الذي شهدته أسعار الديزل والمحروقات والطاقة خلال سبتمبر، مع بقاء أسعار النفط فوق مستوى 100 دولار للبرميل، وهو ما يرفع تكاليف النقل والإنتاج ويزيد احتمالات انتقال جزء من هذه التكاليف إلى أسعار السلع والخدمات.
التضخم لا يزال أعلى بكثير من هدف الفيدرالي
بيانات التضخم الأمريكية وفق مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي PCE تؤكد بدورها أن التضخم لا يزال أعلى من المستويات التي يستهدفها الاحتياطي الفيدرالي.
فالقراءة الأساسية على أساس سنوي حتى أغسطس تشير إلى ارتفاع الأسعار بنحو 3%، مقابل هدف للفيدرالي يدور حول 2%. كما أظهرت القراءة الفصلية للمؤشر الأساسي حتى نهاية الربع الثاني ارتفاعاً سنوياً بنحو 3.3%.
لذلك فإن القراءة الشهرية لأغسطس، التي أظهرت ارتفاعاً محدوداً بنحو 0.2%، تصبح أقل أهمية إذ أكدت بيانات سبتمبر عودة تسارع الضغوط السعرية.
الاقتصاد لا يزال ينمو رغم التضخم
المفارقة أن ارتفاع الأسعار لم يترافق حتى الآن مع انكماش واضح في النشاط الاقتصادي.
فقد سجل مؤشر شيكاغو لمديري المشتريات PMI مستوى 58.8 نقطة في سبتمبر، بينما سجل مؤشر ISM الصناعي 54.5 نقطة، قريباً من قراءة أغسطس، بما يشير إلى استمرار نمو النشاط الصناعي.
كما تؤكد بيانات الناتج المحلي الإجمالي استمرار توسع الاقتصاد الأمريكي، إذ تشير قراءة الربع الثاني إلى نمو بنحو 2.2%.
لكن الضغوط السعرية بقيت مرتفعة أيضاً، حيث سجل مؤشر ( أسعار ) الناتج خلال الربع الثاني، والذي يشمل مجموعة أوسع من الأسعار بما فيها العناصر الأكثر تقلباً، ارتفاعاً بنحو 6.1%.
سوق العمل لا يزال متماسكاً
ورغم ارتفاع تكاليف الطاقة والفائدة والأسعار، لم تظهر حتى الآن إشارات على انكماش حاد في سوق العمل.
فقد أظهرت بيانات ADP للوظائف في القطاع الخاص إضافة نحو 90 ألف وظيفة خلال سبتمبر، وهو ما يعني أن الاقتصاد لا يزال قادراً على خلق الوظائف رغم الضغوط التضخمية وتشديد السياسة النقدية.
التضخم ليس مشكلة أمريكية فقط
الصورة نفسها تظهر بدرجات مختلفة خارج الولايات المتحدة.
ففي أستراليا، ارتفع التضخم الشهري خلال أغسطس بنحو 0.4%، بينما بلغ التضخم السنوي نحو 4%، ليبقى أعلى من النطاق المستهدف للبنك المركزي الأسترالي والبالغ بين 2% و3%.
وتعزز هذه التطورات احتمالات استمرار الضغوط على البنوك المركزية الكبرى خلال الربع الأخير من العام، سواء في الولايات المتحدة أو أستراليا أو منطقة اليورو، مع بقاء خيار رفع أسعار الفائدة مجدداً بمقدار ربع نقطة مئوية مطروحاً إذا استمرت الضغوط التضخمية.
نمو اقتصادي.. لكن التضخم ينمو بوتيرة أسرع
الخلاصة أن الصورة الاقتصادية لا تشير حتى الآن إلى انكماش اقتصادي واضح. الإنتاج مستمر، الاقتصاد ينمو، وسوق العمل لا يزال قادراً على إضافة الوظائف.
لكن المشكلة تكمن في أن الأسعار تبدو وكأنها تتسارع بوتيرة أسرع.
واستمرار هذا الوضع يشكل خطراً على النمو خلال الفترة المقبلة، لأن ارتفاع الأسعار يؤدي تدريجياً إلى تآكل القوة الشرائية للمستهلك، بينما تزيد أسعار الفائدة المرتفعة من تكلفة التمويل على الأسر والشركات.
وتتجه الأنظار غداً إلى بيانات سوق العمل الأمريكية الرسمية، وإن كانت أهميتها قد تكون محدودة إذا جاءت قريبة من التوقعات.
أما العامل الأكثر أهمية للأسواق فيبقى تطورات الحرب الأمريكية الإيرانية، نظراً إلى تأثيرها المباشر على أسعار النفط والطاقة عالمياً، وبالتالي على المسار المتوقع للتضخم والسياسة النقدية خلال الربع الأخير من العام.