Table of Contents
كما أشرنا في تقاريرنا السابقة، فإن تركيز الأسواق خلال المرحلة المقبلة لن يكون منصباً على بيانات سوق العمل أو التضخم وحدها، بقدر ما سيكون مرتبطاً بالتطورات الجيوسياسية في الشرق الأوسط. فالبيانات الاقتصادية قد تأتي جيدة ثم تتغير الصورة سريعاً، وقد تأتي سلبية ثم تتحسن التوقعات، لكن العامل الأكثر قدرة على تغيير المشهد خلال فترة زمنية قصيرة يبقى مسار الأزمة الجيوسياسية.
وتزداد أهمية الأسابيع المقبلة مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي في 3 نوفمبر 2026. والانتخابات النصفية تحدد كامل مقاعد مجلس النواب وثلث مقاعد مجلس الشيوخ تقريباً.
بعد ذلك تبقى أمام الأسواق سيناريوهات شديدة التباين: إما تصعيد أكبر في الشرق الأوسط، أو تحرك سياسي يقود إلى خفض التوتر والوصول إلى تفاهم. وبين السيناريوهين فارق هائل في كيفية تسعير العديد من فئات الأصول.
سيناريو التصعيد
في حال اتساع نطاق المواجهة، فإن أسواق الطاقة ستكون على الأرجح في مقدمة الأسواق المتأثرة. النفط والغاز الطبيعي قد يتعرضان لضغوط صعودية قوية، خصوصاً مع اقتراب فصل الشتاء وارتفاع الطلب الموسمي على الطاقة لأغراض التدفئة في أوروبا والولايات المتحدة.
أما الخطر الأكبر على سوق النفط فيرتبط بممرات الطاقة البحرية. المسألة لا تتعلق بمضيق هرمز فقط، وإنما أيضاً بمضيق باب المندب والبحر الأحمر. بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية تظهر أن تدفقات النفط عبر باب المندب بلغت نحو 8.1 مليون برميل يومياً خلال الربع الثاني من 2026، ما يوضح مدى أهمية هذا الممر في منظومة الإمدادات العالمية.
وأي تعطيل كبير للملاحة عبر باب المندب قد يدفع السفن إلى طرق أطول حول رأس الرجاء الصالح، ما يزيد زمن الرحلات وتكاليف الشحن ويعقد وصول الإمدادات إلى الأسواق.
وتكتسب هذه المخاطر أهمية أكبر في ظل القيود القائمة أصلاً على تدفقات الطاقة في المنطقة. وتشير أحدث تقديرات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية إلى أن اضطرابات هرمز وباب المندب ساهمت بالفعل في تقليص صادرات وإنتاج النفط في المنطقة، مع افتراض استمرار القيود على التدفقات خلال الربع الرابع من العام.
موجة تضخم جديدة؟
إذا أدى التصعيد إلى قفزة جديدة في أسعار النفط والغاز، فقد ينتقل الأثر سريعاً إلى التضخم من خلال الوقود والنقل والشحن وتكاليف الإنتاج.
وهنا تصبح المشكلة أكثر تعقيداً بالنسبة للبنوك المركزية: تباطؤ اقتصادي من جهة، وضغوط تضخمية متجددة من جهة أخرى. وقد يؤدي ذلك إلى ارتفاع عوائد السندات مجدداً إذا أعادت الأسواق تسعير توقعاتها للفائدة والتضخم.
الضغوط التمويلية على المستهلك الأمريكي مرتفعة بالفعل. فمتوسط فائدة الرهن العقاري الأمريكي الثابت لمدة 30 عاماً بلغ 7.28% في الأول من أكتوبر، ارتفاعاً من 7.03% في الأسبوع السابق.
أما قروض السيارات الجديدة، فتشير أحدث بيانات Experian المتاحة إلى متوسط فائدة يقارب 6.35% خلال الربع الثاني من 2026، مع اختلاف المعدل بصورة كبيرة وفق التصنيف الائتماني للمقترض.
وبالتالي فإن ارتفاعاً إضافياً في أسعار الطاقة والفائدة قد يعني مزيداً من الضغط على الدخل الحقيقي والقدرة الشرائية وثقة المستهلكين، وقد ينعكس لاحقاً على الإنفاق والتوظيف والاستثمار ومعدلات النمو.
الأسهم والمعادن ليست بعيدة عن الخطر
في سيناريو التصعيد الحاد، قد تتعرض أسواق الأسهم لضغوط بسبب ارتفاع تكلفة الطاقة والتمويل وتراجع توقعات الأرباح والنمو.
وحتى الذهب والفضة ليسا محصنين بالضرورة من موجات الهبوط قصيرة الأجل. ففي فترات الاضطراب الشديد وارتفاع الحاجة إلى السيولة قد يقوم المستثمرون بتصفية مراكز رابحة في المعادن لتغطية خسائر أو متطلبات هامش في أسواق أخرى. الأمر نفسه يمكن أن يزيد التقلبات في الأصول الرقمية وغيرها من الأصول عالية المخاطر.
وفي الوقت نفسه، قد تعود عوائد السندات الأمريكية والأوروبية للارتفاع إذا أصبح التضخم هو العامل المسيطر على التسعير، وهو ما يعني ارتفاع تكلفة الاقتراض على الحكومات والشركات والأسر.
أما السيناريو الآخر…
السيناريو المقابل يتمثل في الوصول إلى اتفاق أو تفاهم يؤدي إلى تراجع المخاطر الجيوسياسية واستعادة قدر أكبر من انسيابية تدفقات الطاقة.
وفي هذه الحالة قد تكون ردة فعل الأسواق معاكسة بدرجة كبيرة: انخفاض علاوة المخاطر في النفط والطاقة، تراجع بعض الضغوط التضخمية، وتحسن شهية المخاطرة. لكن حجم هذه التحركات سيعتمد على طبيعة الاتفاق واستدامته، وليس مجرد الإعلان عنه.
وهنا تكمن المشكلة الأساسية بالنسبة للمستثمرين: الفارق بين السيناريوهين كبير للغاية.
لذلك فإن بيانات سوق العمل والتضخم ستبقى مهمة، لكنها قد تصبح في الأسابيع المقبلة جزءاً من الصورة وليست الصورة كاملة.
تصدر قراءة للوظائف، ثم يغير تطور جيوسياسي كبير توقعات الأسواق خلال ساعات. وقد تأتي قراءة تضخم مرتفعة، ثم يؤدي انخفاض حاد في أسعار الطاقة نتيجة انفراج سياسي إلى تغيير التوقعات المستقبلية سريعاً.
المرحلة المقبلة ليست مرحلة أرقام اقتصادية فقط، بل مرحلة مخاطر جيوسياسية يمكن أن تعيد تسعير الطاقة والسندات والأسهم والمعادن والعملات خلال فترة زمنية قصيرة. ولهذا يجب الاستعداد لاحتمالات تحركات سعرية حادة في الاتجاهين، وليس بناء السيناريو الاستثماري على قراءة اقتصادية واحدة.