ارتفاع المخاطر الجيوسياسية يضغط على الذهب والفضة مجدداً

تستمر الأسواق العالمية في مواجهة حالة من الحذر الشديد مع تصاعد التعقيدات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، خاصة تلك المرتبطة بإغلاق مضيق هرمز وتأثير ذلك على إمدادات النفط العالمية. وتكمن خطورة هذه التطورات في أنها لا تقتصر على الجانب الجيوسياسي فقط، بل تمتد لتشكل ضغوطاً تضخمية إضافية نتيجة ارتفاع أسعار النفط والطاقة، ما يخلق مزيجاً معقداً من المخاطر الاقتصادية يصعب على الأسواق تجاهله.

ويؤدي ارتفاع التضخم الناتج عن زيادة تكاليف الطاقة إلى إضعاف القوة الشرائية للمستهلكين وتقليص مستويات الطلب، الأمر الذي ينعكس سلباً على أرباح الشركات ونشاطها الاقتصادي. كما أن استمرار حالة عدم اليقين يدفع المستثمرين والأفراد إلى تبني نهج أكثر تحفظاً في إدارة السيولة، حيث ترتفع الحاجة للاحتفاظ بالنقد (الكاش) لمواجهة أي تطورات مفاجئة بدلاً من توجيه الأموال نحو الاستثمارات المختلفة.

وفي ظل هذه الظروف، تتعرض المعادن الثمينة لضغوط متواصلة، حيث تراجعت أسعار الذهب اليوم لتقترب من أدنى مستوياتها منذ بداية العام، مواصلة التداول بالقرب من مستوى 4200 دولار. ويظهر الرسم البياني التالي بوضوح استمرار الاتجاه الهابط مقارنة بالمستويات التي كانت سائدة قبل اندلاع المواجهة الأمريكية الإيرانية الأخيرة، ما يعكس حالة الحذر المسيطرة على الأسواق العالمية.

 

 

ولم تكن الفضة بعيدة عن الضغوط التي تعرض لها الذهب، حيث تراجعت هي الأخرى إلى مستويات تقارب 66 دولاراً للأونصة، متزامنة مع موجة الهبوط التي شهدتها المعادن الثمينة خلال الأيام الأخيرة. إلا أن خسائر الفضة كانت أكثر حدة نظراً لطبيعتها الأكثر تقلباً مقارنة بالذهب، إذ سجلت يوم الجمعة الماضي انخفاضاً حاداً وصل إلى نحو 8% خلال جلسة واحدة فقط.

ويعود ذلك إلى أن الفضة تجمع بين صفتين؛ فهي من جهة معدن ثمين يتأثر بعوامل الملاذ الآمن والسيولة العالمية، ومن جهة أخرى معدن صناعي يرتبط بأداء النشاط الاقتصادي والطلب الصناعي. لذلك فإن أي ارتفاع في حالة عدم اليقين أو المخاوف المرتبطة بالنمو الاقتصادي يؤدي عادة إلى زيادة حدة تحركاتها مقارنة بالذهب، سواء في الاتجاه الصاعد أو الهابط.

 

وتبقى التطورات الجيوسياسية العامل الأكثر تأثيراً خلال المرحلة الحالية. ففي حال التوصل إلى اتفاقات سياسية أو تراجع مستويات التوتر، قد نشهد تحسناً في شهية المستثمرين للمخاطرة وانخفاض الحاجة للاحتفاظ بالسيولة، مما يدعم عودة التدفقات الاستثمارية إلى الأسواق المختلفة بما فيها الذهب والفضة. أما في حال استمرار التصعيد أو اتساع نطاق المخاطر، فمن المرجح أن يستمر المستثمرون في إعطاء الأولوية للسيولة النقدية، وهو ما قد يبقي المعادن الثمينة تحت الضغط خلال الفترة المقبلة.

لذلك ستظل الأنظار موجهة نحو تطورات الشرق الأوسط خلال الأسابيع القادمة، باعتبارها العامل الرئيسي القادر على تحديد اتجاهات أسواق الطاقة والتضخم والمعادن الثمينة في آنٍ واحد.

Related posts

تراجع حاد في الأسواق الآسيوية مع تصاعد التوترات الجيوسياسية وضغوط أسهم الذكاء الاصطناعي

تراجع وول ستريت مع قفزة عوائد السندات الأمريكية وسط تزايد الرهانات على بقاء الفائدة مرتفعة

الأسواق العالمية تتراجع رغم قوة بيانات الوظائف الأمريكية والكندية