تستعد الأسواق الأمريكية لأسبوع مزدحم بالأحداث، مع إعلان نتائج أعمال عدد من أكبر شركات التكنولوجيا العالمية، وعلى رأسها ألفابت ومايكروسوفت وأمازون، بالتزامن مع اجتماع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي لاتخاذ قراره بشأن أسعار الفائدة، وصدور بيانات التضخم التي قد تقدم إشارات جديدة حول اتجاه السياسة النقدية ومستقبل الأسواق المالية.
وتأتي هذه التطورات في وقت يسعى فيه المستثمرون إلى تقييم قوة أرباح الشركات الأمريكية ومدى قدرتها على الحفاظ على النمو، خاصة في قطاع التكنولوجيا الذي يشهد استثمارات ضخمة في الذكاء الاصطناعي، بينما تظل السياسة النقدية الأمريكية أحد أهم العوامل المؤثرة في حركة الأسهم والسندات وتقييمات الأصول المالية. وتتجه الأنظار بشكل خاص إلى نتائج شركات التكنولوجيا الكبرى، التي ستمنح المستثمرين فرصة لتقييم ما إذا كانت الاستثمارات الضخمة في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي بدأت تتحول إلى نمو ملموس في الإيرادات والأرباح، أم أن هذه الاستثمارات لا تزال تمثل ضغطًا على التدفقات النقدية والإنفاق الرأسمالي.
نتائج شركات التكنولوجيا الكبرى تحت الاختبار
تستعد ثلاث شركات من أكبر مكونات مجموعة «العظماء السبعة» التكنولوجية، وهي ألفابت المالكة لجوجل، ومايكروسوفت، وأمازون، للإعلان عن نتائجها الفصلية خلال الأسبوع الجاري، في واحدة من أبرز المحطات التي يترقبها المستثمرون خلال موسم الأرباح الحالي. ومن المقرر أن تعلن ألفابت ومايكروسوفت نتائج أعمالهما الأربعاء بعد إغلاق السوق الأمريكية، على أن تعلن أمازون نتائجها الخميس.
وتكتسب النتائج أهمية خاصة في ظل التوسع الكبير الذي تقوده هذه الشركات في الإنفاق على الذكاء الاصطناعي، حيث يركز المستثمرون على أداء أعمال الحوسبة السحابية، وقدرة الشركات على تحقيق إيرادات من تطبيقات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب حجم الإنفاق الرأسمالي المطلوب لاستمرار التوسع. وبحسب بيانات «Fiscal.ai»، تتوقع الأسواق أن تحقق ألفابت أرباحًا للسهم تبلغ 3 دولارات، بإيرادات تصل إلى 127.83 مليار دولار خلال الربع الممتد من يوليو إلى سبتمبر.
أما مايكروسوفت، فتشير التوقعات إلى تحقيق أرباح للسهم تبلغ 4.72 دولار، مع إيرادات متوقعة عند 90.75 مليار دولار.
وفيما يتعلق بأمازون، تتوقع الأسواق تسجيل أرباح للسهم عند 1.96 دولار، بإيرادات تصل إلى 202.2 مليار دولار خلال الربع نفسه. وستكون هذه النتائج اختبارًا مهمًا لقدرة الشركات الثلاث على الحفاظ على معدلات النمو المرتفعة، خاصة مع تزايد التساؤلات بشأن العائد الاقتصادي من الاستثمارات الضخمة في الذكاء الاصطناعي، ومدى قدرة هذه الاستثمارات على دعم الأرباح المستقبلية بدلًا من زيادة الضغوط على الإنفاق.
«إنتل» وقطاع أشباه الموصلات في دائرة الاهتمام
ومن بين الشركات التكنولوجية الأخرى التي تستعد للإعلان عن نتائجها خلال الأسبوع، تأتي شركة إنتل، التي يترقب المستثمرون أداءها في ظل المنافسة المتزايدة في صناعة أشباه الموصلات، والتطورات المرتبطة بالطلب على المعالجات والبنية التحتية للذكاء الاصطناعي. وتشير توقعات المحللين إلى أن إنتل قد تحقق أرباحًا للسهم تبلغ 0.40 دولار، بإيرادات تصل إلى 16.47 مليار دولار.
وستوفر نتائج الشركة مؤشرات مهمة بشأن أداء قطاع الرقائق الإلكترونية، ومدى استفادته من التوسع في الإنفاق التكنولوجي العالمي، إلى جانب قدرة إنتل على تحسين نتائجها المالية في ظل المنافسة داخل سوق المعالجات.
الفيدرالي الأمريكي.. تثبيت الفائدة في انتظار إشارات التضخم
وعلى الجانب الآخر، يترقب المستثمرون اجتماع اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة التابعة للاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، والذي يبدأ الثلاثاء ويستمر لمدة يومين، على أن يصدر القرار بشأن السياسة النقدية الأربعاء. وتشير التوقعات إلى أن البنك المركزي الأمريكي سيبقي أسعار الفائدة الرئيسية دون تغيير عند مستوى يتراوح بين 3.75% و4%، وذلك عقب رفعها بمقدار 25 نقطة أساس خلال اجتماع سبتمبر الماضي.
وبحسب بيانات أداة «CME FedWatch»، تبلغ احتمالات تثبيت أسعار الفائدة خلال الاجتماع الحالي نحو 90%، ما يعكس توقعات الأسواق بأن الفيدرالي سيحافظ على سياسته النقدية الحالية في انتظار المزيد من البيانات الاقتصادية. ويأتي الاجتماع في وقت تتزايد فيه أهمية تقييم العلاقة بين التضخم والنشاط الاقتصادي، حيث يسعى المستثمرون إلى معرفة ما إذا كانت الضغوط السعرية تسمح للبنك المركزي الأمريكي بالبدء في تخفيف السياسة النقدية خلال الفترة المقبلة، أم أن استمرار التضخم عند مستويات مرتفعة قد يدفعه إلى الإبقاء على أسعار الفائدة لفترة أطول.
ولا تقتصر أهمية الاجتماع على القرار نفسه، بل تمتد إلى الرسائل التي قد يقدمها مسؤولو الفيدرالي بشأن مستقبل أسعار الفائدة، ومدى استعدادهم لمواصلة التيسير النقدي أو الإبقاء على سياسة أكثر تشددًا إذا استدعت الظروف الاقتصادية ذلك. وفي أسواق السندات، تراجع صندوق «iShares 20+ Year Treasury Bond ETF»، الذي يتتبع أداء سندات الخزانة الأمريكية طويلة الأجل، بنسبة 0.05% خلال تعاملات ما بعد إغلاق الجمعة.
كما انخفض صندوق «iShares 7-10 Year Treasury Bond ETF»، الذي يتتبع السندات الأمريكية متوسطة الأجل، بنسبة 0.04%، في تحركات محدودة تعكس ترقب المستثمرين لقرار الفيدرالي والتطورات الاقتصادية المرتقبة.
بيانات التضخم.. اختبار جديد لتوقعات السياسة النقدية
وبالتزامن مع اجتماع الفيدرالي، تتجه الأنظار إلى تقرير نفقات الاستهلاك الشخصي الأمريكي، المعروف باسم «PCE»، والذي يمثل مقياس التضخم المفضل لدى البنك المركزي الأمريكي، ومن المقرر صدوره الخميس. وتكتسب البيانات أهمية خاصة لأنها ستوفر قراءة جديدة لمسار الضغوط التضخمية خلال سبتمبر، ومدى استمرار ارتفاع الأسعار الذي قد يؤثر على قرارات السياسة النقدية خلال الفترة المقبلة.
وبحسب تقديرات «داو جونز» التي نقلتها «MarketWatch»، من المتوقع أن يرتفع مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي بنسبة 0.5% خلال سبتمبر على أساس شهري، بعد تعديل البيانات وفقًا للعوامل الموسمية. كما تشير التوقعات إلى ارتفاع المؤشر الأساسي لنفقات الاستهلاك الشخصي، الذي يستبعد أسعار الغذاء والطاقة، بنسبة 0.3% خلال الشهر نفسه. وعلى أساس سنوي، يُتوقع أن يسجل مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي العام ارتفاعًا بنسبة 3.7%، بينما يُرجح أن يبلغ التضخم الأساسي 3.1%.
وتعد هذه الأرقام من المؤشرات المهمة التي يعتمد عليها الفيدرالي في تقييم اتجاه التضخم، خاصة أن المؤشر الأساسي يساعد في قياس الضغوط السعرية الأكثر استدامة بعيدًا عن التقلبات الناتجة عن أسعار الطاقة والغذاء.
ومن شأن أي قراءة أعلى من المتوقع أن تزيد الضغوط على البنك المركزي الأمريكي، وتدفع المستثمرين إلى إعادة تقييم احتمالات خفض أسعار الفائدة خلال الفترة المقبلة، بينما قد تمنح البيانات الأقل من المتوقع الأسواق مساحة أكبر للتفاؤل بشأن التيسير النقدي.
سوق العمل الأمريكي تحت المراقبة
وفي صباح الخميس أيضًا، من المنتظر صدور أحدث بيانات طلبات إعانة البطالة الأسبوعية، والتي ستقدم قراءة جديدة بشأن حالة سوق العمل الأمريكي. وكانت طلبات إعانة البطالة الأولية قد تراجعت إلى 194 ألف طلب خلال الأسبوع الأخير، بالقرب من أدنى مستوياتها في نحو 57 عامًا. ويأتي ذلك في وقت يراقب فيه المستثمرون مدى قدرة سوق العمل على الحفاظ على قوته، بالتزامن مع استمرار الضغوط التضخمية، حيث يمثل التوازن بين نمو الوظائف وارتفاع الأسعار أحد العوامل الرئيسية التي تؤثر على قرارات الفيدرالي.
واستمرار انخفاض طلبات إعانة البطالة عند مستويات متدنية قد يعكس قوة سوق العمل، لكنه قد يثير أيضًا تساؤلات بشأن مدى استمرار الضغوط على الأجور والطلب، وهو ما يجعل البيانات الجديدة محل اهتمام واسع خلال الأسبوع. الأسهم الأمريكية تترقب نتائج الشركات وقرار الفيدرالي وعلى صعيد أداء الأسواق، سجلت صناديق المؤشرات الأمريكية الرئيسية مكاسب محدودة خلال تعاملات ما بعد إغلاق الجمعة.
وارتفع صندوق «SPDR S&P 500 ETF»، الذي يتتبع أداء مؤشر ستاندرد آند بورز 500، بنسبة 0.15%. كما صعد صندوق «Invesco QQQ Trust ETF»، الذي يتتبع أداء مؤشر ناسداك 100، بنسبة 0.07%، فيما ارتفع صندوق «SPDR Dow Jones Industrial Average ETF Trust»، المرتبط بمؤشر داو جونز الصناعي، بنسبة 0.13%.
ورغم هذه المكاسب المحدودة، أظهرت بيانات منصة «Stocktwits» أن معنويات المستثمرين الأفراد تجاه صندوق ستاندرد آند بورز 500 كانت في منطقة التشاؤم الشديد وقت إعداد التقرير. وتعكس هذه الحالة حالة الحذر التي تسيطر على المستثمرين قبل أسبوع يجمع بين نتائج أعمال شركات التكنولوجيا الكبرى، وقرار السياسة النقدية الأمريكية، وبيانات التضخم وسوق العمل.
موسم الأرباح يمتد إلى قطاعات متعددة
وبعيدًا عن شركات التكنولوجيا الكبرى، يشهد الأسبوع إعلان نتائج عدد كبير من الشركات الأمريكية العاملة في قطاعات مختلفة، ما يمنح المستثمرين صورة أوسع عن أداء الاقتصاد الأمريكي واتجاهات الإنفاق والطلب. ومن أبرز الشركات المنتظر إعلان نتائجها خلال الأسبوع، روبن هود، وريديت، وبوينج، إلى جانب شركتي الاتصالات تي موبايل وفيريزون.
كما تشمل قائمة الشركات المنتظرة نتائجها شركة إيلي ليلي العاملة في قطاع الأدوية، وشركتي الطاقة شيفرون وإكسون موبيل، بالإضافة إلى باي بال، وكورنينج، وريفيان.
ويتيح هذا التنوع للمستثمرين تقييم أداء قطاعات التكنولوجيا والاتصالات والطاقة والأدوية والصناعات المختلفة، في وقت تتزايد فيه أهمية متابعة الأرباح التشغيلية وتوقعات الإدارة بشأن الفترات المقبلة.
الأسواق أمام أسبوع حاسم
وتجمع أحداث الأسبوع بين ثلاثة محاور رئيسية تتحكم في اتجاه الأسواق، تتمثل في نتائج الشركات الكبرى، وقرار الاحتياطي الفيدرالي، والبيانات الاقتصادية الجديدة.
ففي الوقت الذي ينتظر فيه المستثمرون معرفة ما إذا كانت شركات التكنولوجيا قادرة على تحقيق عوائد ملموسة من استثمارات الذكاء الاصطناعي، ستوفر بيانات التضخم وسوق العمل إشارات مهمة بشأن مستقبل أسعار الفائدة الأمريكية.
وتظل قدرة الشركات على الحفاظ على نمو الإيرادات والأرباح، إلى جانب تطورات السياسة النقدية، من أبرز العوامل التي ستحدد كيفية استقبال الأسواق لنتائج الأسبوع.
وبذلك، قد يشكل الأسبوع الحالي اختبارًا مهمًا لتوقعات المستثمرين بشأن الاقتصاد الأمريكي، في ظل ترقب ما إذا كانت أرباح الشركات ستدعم استمرار الزخم في الأسواق، أم أن بيانات التضخم والسياسة النقدية ستفرض إعادة تقييم جديدة للمخاطر والتوقعات خلال الفترة المقبلة.