11
تدخل الأسواق الأمريكية أسبوعًا حافلًا بالتطورات الاقتصادية والجيوسياسية، بعدما أعادت الهجمات الأخيرة على منشآت الطاقة السعودية إشعال المخاوف بشأن إمدادات النفط العالمية، ودفع ارتفاع أسعار الخام إلى مستويات جديدة، بالتزامن مع تزايد رهانات المستثمرين على قيام الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي برفع أسعار الفائدة خلال اجتماعه المرتقب هذا الأسبوع.
وتراجعت العقود الآجلة لمؤشر S&P 500 بنحو 0.5% في بداية تعاملات الاثنين، بينما هبطت عقود ناسداك 100 بنحو 1.1%، في انعكاس لحالة الحذر التي تسيطر على المستثمرين بعد أسبوع صعب للأسهم الأمريكية. وتأتي هذه التحركات في وقت تتجه فيه الأنظار إلى قرارات البنوك المركزية الكبرى، وعلى رأسها الاحتياطي الفيدرالي وبنك اليابان، وسط مخاوف من أن يؤدي اجتماع أسعار الفائدة المرتفعة مع اضطرابات إمدادات الطاقة إلى زيادة الضغوط على الاقتصاد العالمي وأسواق الأسهم.
موجة البيع تبدأ من آسيا
بدأت الأسواق الآسيوية الأسبوع تحت ضغط واضح، بعدما تراجعت شهية المستثمرين تجاه المخاطرة، مع ارتفاع أسعار النفط وتجدد المخاوف بشأن التضخم والسياسة النقدية الأمريكية. وهبط مؤشر نيكاي الياباني بنحو 1%، بينما تراجع مؤشر كوسبي الكوري الجنوبي بنحو 2.1%، مع تعرض أسهم التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي لضغوط بيعية ملحوظة.
وجاءت هذه التحركات بعد أسبوع سلبي للأسواق الأمريكية، إذ تراجع مؤشر S&P 500 بنحو 0.8%، وانخفض ناسداك بنحو 0.7%، بينما سجل مؤشر داو جونز أسوأ أداء أسبوعي له منذ مارس الماضي. وتكمن أهمية هذه التحركات في أن ارتفاع أسعار الطاقة لا يمثل مجرد مشكلة لقطاع النفط، بل يمتد تأثيره إلى معظم القطاعات الاقتصادية، خصوصًا في الدول المستوردة للطاقة.
فكلما ارتفعت أسعار الوقود، زادت تكاليف تشغيل الشركات ونقل البضائع، بينما تتراجع القوة الشرائية للمستهلكين مع تخصيص جزء أكبر من دخولهم لتغطية احتياجات الطاقة. وهذا يعني أن الأسواق الآسيوية، التي تعتمد اقتصاداتها بدرجات متفاوتة على استيراد النفط، أصبحت أكثر عرضة لتأثيرات الأزمة الحالية.
النفط يعيد إشعال مخاوف التضخم
عاد النفط إلى صدارة المشهد الاقتصادي بعدما ارتفع خام برنت بأكثر من 2% ليقترب من 107.50 دولار للبرميل، بينما تجاوز خام غرب تكساس الوسيط مستوى 102 دولار. وجاءت هذه القفزة عقب تعرض خط الأنابيب السعودي شرق-غرب لهجوم بطائرة مسيرة، ما أدى إلى توقفه عن العمل وأثار مخاوف بشأن قدرة المملكة على مواصلة تصدير النفط بالكميات المعتادة.
وتشير التقديرات الواردة في الأسواق إلى أن تعطل الخط قد يؤثر على إمدادات تعادل ما يصل إلى 4% من المعروض النفطي العالمي، وهو ما يفسر سرعة استجابة الأسعار للتطورات الأخيرة. لكن تأثير ارتفاع النفط على الأسواق لا يتوقف عند شركات الطاقة، التي قد تستفيد من ارتفاع أسعار الخام. فشركات الطيران والنقل والخدمات اللوجستية تواجه ارتفاعًا في تكاليف الوقود، بينما تتعرض شركات الصناعات الكيميائية والتجزئة لضغوط إضافية نتيجة زيادة تكاليف الإنتاج والتوزيع.
كما أن ارتفاع أسعار الطاقة قد يؤدي إلى زيادة التضخم الاستهلاكي، مع انتقال جزء من تكاليف الوقود والنقل إلى أسعار السلع والخدمات. وبالنسبة للمستهلك الأمريكي، فإن ارتفاع أسعار البنزين يعني أن جزءًا أكبر من الدخل الشهري سيذهب إلى الوقود، على حساب الإنفاق على المطاعم والملابس والسفر وغيرها من الأنشطة الاستهلاكية.
وهنا تكمن المشكلة الحقيقية: النفط المرتفع لا يضغط فقط على أرباح الشركات، بل قد يؤدي أيضًا إلى إضعاف الطلب الاستهلاكي الذي يمثل أحد أهم محركات الاقتصاد الأمريكي.
الفيدرالي أمام اختبار صعب.. رفع الفائدة أصبح أقرب
تزداد حساسية الأسواق مع اقتراب اجتماع الاحتياطي الفيدرالي، بعدما جاءت بيانات التضخم الأمريكية الأخيرة أعلى من المتوقع. فقد ارتفع مؤشر أسعار المستهلكين بنسبة 0.4% خلال أغسطس، بينما سجل التضخم السنوي 3.4%. كما ارتفع التضخم الأساسي، الذي يستبعد أسعار الغذاء والطاقة، بنسبة 0.3% خلال الشهر. وتشير هذه الأرقام إلى أن الضغوط التضخمية لا تزال قائمة، حتى قبل احتساب التأثيرات المحتملة لارتفاع النفط خلال الأيام الأخيرة.
وبعد صدور البيانات، ارتفعت توقعات الأسواق بشأن قيام الفيدرالي برفع أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس خلال اجتماعه هذا الأسبوع، لتصل احتمالات الزيادة إلى نحو 86%–87%. كما غيّر بنك جولدمان ساكس توقعاته السابقة، التي كانت تشير إلى عدم تغيير أسعار الفائدة، وأصبح يتوقع الآن رفعها. ويعكس هذا التحول مدى حساسية الأسواق تجاه توقعات السياسة النقدية. فعندما تصبح رهانات المستثمرين على قرار معين مرتفعة للغاية، قد يؤدي أي قرار مخالف لهذه التوقعات إلى تقلبات حادة في الأسواق. وبمعنى آخر، لم يعد السؤال فقط هو ما إذا كان الفيدرالي سيرفع الفائدة، بل أصبح السؤال أيضًا: كيف سيتعامل المستثمرون مع القرار إذا جاء مختلفًا عن السيناريو الذي سعّرت الأسواق أصولها على أساسه؟
لماذا تمثل عوائد السندات خطرًا على أسهم التكنولوجيا؟
تظل عوائد سندات الخزانة الأمريكية أحد أهم المؤشرات التي يجب مراقبتها خلال الأسبوع الحالي. فقد اقترب عائد السندات لأجل عشر سنوات من مستوى 5%، بينما تجاوز عائد السندات لأجل ثلاثين عامًا مستوى 5.3% مؤخرًا. ويعني ارتفاع العوائد أن المستثمر أصبح قادرًا على الحصول على دخل أعلى من السندات الحكومية، وهو ما يزيد من جاذبيتها مقارنة بالأسهم، خصوصًا الأسهم ذات التقييمات المرتفعة.
وتتأثر شركات التكنولوجيا بهذا التطور بشكل خاص، لأن جزءًا كبيرًا من قيمتها السوقية يعتمد على الأرباح المتوقع تحقيقها خلال السنوات المقبلة. وعندما ترتفع أسعار الفائدة، ترتفع معدلات الخصم المستخدمة في تقييم تلك الأرباح المستقبلية، ما يؤدي إلى انخفاض قيمتها الحالية. ولهذا السبب، قد تتعرض أسهم التكنولوجيا لضغوط حتى لو استمرت شركاتها في تحقيق نمو قوي في الإيرادات والأرباح. فالمشكلة ليست بالضرورة في أداء الشركات نفسها، وإنما في ارتفاع تكلفة رأس المال وتراجع التقييمات التي يكون المستثمرون مستعدين لدفعها مقابل النمو المستقبلي.
أسبوع حاسم للبنوك المركزية الكبرى
لا تقتصر المخاطر على الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، إذ تستعد الأسواق أيضًا لمتابعة قرار بنك اليابان بشأن أسعار الفائدة. وتشير التوقعات إلى احتمال رفع البنك الياباني سعر الفائدة إلى 1.25%، في خطوة قد تعزز الاتجاه نحو تشديد السياسة النقدية بعد سنوات طويلة من أسعار الفائدة المنخفضة. وفي الوقت نفسه، كان البنك المركزي الأوروبي قد رفع أسعار الفائدة خلال الأسبوع الماضي، ما يعكس اتساع نطاق الضغوط التضخمية التي تواجه الاقتصادات الكبرى.
وتحمل هذه التطورات أهمية خاصة بالنسبة لأسواق العملات وتدفقات رؤوس الأموال العالمية. فارتفاع أسعار الفائدة في اليابان قد يقلل من جاذبية صفقات التداول المعروفة باسم Carry Trade، التي تعتمد على الاقتراض بالين الياباني منخفض التكلفة للاستثمار في أصول ذات عوائد أعلى في الخارج. وقد يؤدي تراجع جاذبية هذه الاستراتيجية إلى قيام المستثمرين بإغلاق مراكزهم الاستثمارية وإعادة شراء الين، وهو ما قد يضغط على الأسواق التي استفادت سابقًا من تدفقات الأموال الرخيصة.
وقد ارتفع الين بنحو 4% خلال الشهر الحالي، ما يضيف ضغوطًا أخرى على الشركات اليابانية المصدرة، التي تتأثر أرباحها الخارجية عادة بارتفاع العملة المحلية.
الدولار والذهب والبيتكوين تحت المراقبة
مع اقتراب قرارات البنوك المركزية، تتحرك الأسواق المالية المختلفة تحت تأثير مجموعة متعارضة من العوامل. فالدولار الأمريكي يحاول الاستفادة من ارتفاع توقعات الفائدة، بينما لا يزال الين الياباني قريبًا من أعلى مستوياته في سبعة أشهر، مدعومًا بتوقعات تشديد السياسة النقدية اليابانية. أما الذهب، فيواجه معادلة أكثر تعقيدًا. فالتوترات الجيوسياسية تدعم الطلب على المعدن النفيس باعتباره أحد الأصول التي يلجأ إليها المستثمرون في أوقات الأزمات، لكن ارتفاع عوائد السندات الأمريكية يزيد من تكلفة الاحتفاظ بالذهب الذي لا يوفر عائدًا دوريًا.
وبالتالي، قد يجد الذهب نفسه بين قوتين متعارضتين: المخاوف الجيوسياسية من ناحية، وارتفاع العوائد وتوقعات الفائدة من ناحية أخرى. وتواجه البيتكوين أيضًا اختبارًا مشابهًا، إذ قد تؤدي زيادة تكلفة التمويل وتراجع السيولة المتاحة للاستثمار في الأصول عالية المخاطر إلى زيادة التقلبات في سوق العملات المشفرة.
ماذا ينتظر مؤشر S&P 500 خلال الفترة المقبلة؟
تعتمد الصورة المستقبلية للأسهم الأمريكية بدرجة كبيرة على تطورات أسعار النفط وقرارات الاحتياطي الفيدرالي. فإذا استمرت اضطرابات إمدادات الطاقة، وبقي النفط عند مستويات مرتفعة، فقد يواجه الاقتصاد الأمريكي ضغوطًا تضخمية إضافية في وقت لا يزال فيه الفيدرالي يفكر في رفع أسعار الفائدة. وفي هذه الحالة، قد تجد الشركات نفسها أمام معادلة صعبة تجمع بين ارتفاع تكاليف التشغيل وزيادة تكلفة الاقتراض، بينما تتراجع قدرة المستهلكين على الإنفاق.
أما إذا هدأت التوترات الجيوسياسية وعادت إمدادات النفط إلى مستوياتها الطبيعية، فقد تتراجع المخاوف التضخمية تدريجيًا، ما يمنح الأسواق فرصة لاستعادة التوازن.
لكن السيناريو الأكثر صعوبة يتمثل في استمرار اضطرابات إمدادات النفط بالتزامن مع تشديد السياسة النقدية. فاجتماع أسعار الفائدة المرتفعة مع تراجع هوامش أرباح الشركات قد يجعل البيئة الاستثمارية أكثر صعوبة، خصوصًا بالنسبة للأسهم التي تعتمد تقييماتها على توقعات نمو مرتفعة خلال السنوات المقبلة.
تدخل الأسواق الأمريكية أسبوعًا حساسًا، تتداخل فيه المخاطر الجيوسياسية مع الضغوط التضخمية وتوقعات السياسة النقدية. فارتفاع النفط إلى نحو 107.50 دولار للبرميل بعد تعطل خط الأنابيب السعودي شرق-غرب يعيد المخاوف بشأن إمدادات الطاقة إلى الواجهة، بينما تقترب عوائد السندات الأمريكية من مستويات مرتفعة قد تزيد الضغط على تقييمات الأسهم.
وفي الوقت نفسه، أصبحت الأسواق تسعّر بدرجة كبيرة احتمال رفع الفيدرالي أسعار الفائدة هذا الأسبوع، ما يجعل القرار المرتقب أحد أهم الأحداث التي قد تحدد اتجاه الأسواق خلال الفترة المقبلة. الخطر الحقيقي لا يكمن في ارتفاع النفط أو الفائدة كلٌ على حدة، بل في اجتماعهما معًا في وقت تتباطأ فيه بعض محركات النمو الاقتصادي. ولهذا، فإن متابعة النفط وعوائد السندات وقرارات البنوك المركزية ستكون أكثر أهمية من التركيز على تحركات مؤشر S&P 500 وحده. فإذا استمرت اضطرابات الطاقة بالتزامن مع سياسة نقدية أكثر تشددًا، فقد تواجه الأسهم الأمريكية فترة من التقلبات المتزايدة، بينما سيظل أي تحسن مستدام في الأسواق مرتبطًا بمدى قدرة الاقتصاد العالمي على استيعاب هذه الصدمات دون الدخول في مرحلة أعمق من التباطؤ الاقتصادي.