9
يحاول الذهب استعادة توازنه بالقرب من مستوى 4,370 دولارًا للأونصة خلال تعاملات الأربعاء، في محاولة لإنهاء سلسلة من الخسائر امتدت لثلاث جلسات متتالية.
وتلقى المعدن الأصفر بعض الدعم من تصاعد التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، إلى جانب تراجع الدولار الأمريكي وحالة الحذر التي تسيطر على الأسواق العالمية. إلا أن ارتفاع عوائد سندات الخزانة الأمريكية وتجدد التوقعات بشأن احتمال رفع الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة لا يزالان يحدان من قدرة الذهب على تحقيق تعافٍ قوي.
الذهب يجد مشترين.. لكن بحذر
تحرك الذهب XAU/USD بالقرب من مستوى 4,370 دولارًا للأونصة يوم الأربعاء، مع محاولة الأسعار إنهاء أطول سلسلة خسائر حديثة للمعدن النفيس. وجاء بعض الدعم من تصاعد المخاطر الجيوسياسية، وضعف الدولار، وتراجع شهية المستثمرين تجاه المخاطرة. لكن التعافي لا يزال محدودًا، خصوصًا بعد أن أظهر تقرير الوظائف الأمريكي الأخير قوة أكبر بكثير من المتوقع.
وكان الذهب قد تعرض لضغوط قوية يوم الجمعة، عندما تراجعت الأسعار بما يصل إلى 2.4% بعد ظهور تسارع واضح في نمو الوظائف الأمريكية. وأعادت هذه البيانات إلى الأسواق احتمال قيام الاحتياطي الفيدرالي برفع أسعار الفائدة، وهو ما قلل من جاذبية الذهب مقارنة بالأصول التي توفر عائدًا دوريًا. وهنا تكمن المفارقة الحالية بالنسبة للمعدن الأصفر.
فالمستثمرون يريدون الذهب كوسيلة للتحوط من المخاطر الجيوسياسية، لكنهم في الوقت نفسه لا يرغبون في دفع أسعار الذهب بقوة بينما تقدم السندات الحكومية عوائد متزايدة. لذلك، تبدو الحركة الحالية أقرب إلى شراء تحوطي محسوب منها إلى موجة هروب واسعة نحو الملاذات الآمنة.
النفط يخلق معادلة معقدة للذهب
تزداد هذه المعادلة تعقيدًا مع ارتفاع أسعار النفط. فقد اقترب خام برنت من مستوى 100 دولار للبرميل صباح الأربعاء، بعد تجدد الهجمات التي شملت مدنًا سعودية وناقلات إيرانية وقاعدة أمريكية في الأردن. من ناحية، يمثل هذا التصعيد عامل دعم للذهب. فكلما زادت المخاوف من اتساع الصراع، أو تعطل حركة الشحن، أو تعرض البنية التحتية للطاقة في منطقة الخليج لأضرار، زادت حاجة المستثمرين إلى الأصول التي ينظر إليها باعتبارها ملاذًا آمنًا.
لكن النفط المرتفع يحمل وجهًا آخر بالنسبة للذهب.
فارتفاع أسعار الطاقة يمكن أن يبقي التضخم مرتفعًا لفترة أطول، وهو ما قد يدفع الاحتياطي الفيدرالي إلى رفع أسعار الفائدة أو إبقائها عند مستويات مرتفعة لفترة أطول.
وفي هذه الحالة، ترتفع عوائد السندات وتزداد تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بالذهب. فالذهب لا يدفع فائدة، بينما يستطيع المستثمر الحصول على عائد من السندات الحكومية.
وهكذا فإن نفس صدمة النفط التي تدفع المستثمرين إلى شراء الذهب خوفًا من تصاعد المخاطر الجيوسياسية، قد تدفع مستثمرين آخرين إلى بيعه بسبب تأثيرها المحتمل على السياسة النقدية.
عوائد السندات تضع سقفًا لتعافي الذهب
وصل عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل عشر سنوات مؤخرًا إلى نحو 4.81%، وهو مستوى يجعل سوق السندات منافسًا يصعب على مستثمري الذهب تجاهله.
وعادة ما يصبح الذهب أقل جاذبية عندما ترتفع العوائد الحقيقية أو تتزايد توقعات الفائدة، لأن المستثمر يستطيع الحصول على دخل من الأصول ذات العائد دون الحاجة إلى تحمل مخاطر الاحتفاظ بمعدن لا يولد تدفقات نقدية.
ولهذا فإن قدرة الذهب على الاستقرار بالقرب من 4,370 دولارًا رغم ارتفاع العوائد تعتبر إشارة إيجابية نسبيًا للمشترين. لكن تحقيق موجة صعود أقوى قد يتطلب واحدًا من عاملين: تراجع عوائد السندات الأمريكية، أو استمرار وتيرة التصعيد الجيوسياسي بما يكفي لزيادة الطلب على الذهب كملاذ آمن.
التضخم الأمريكي قد يحسم الاتجاه
بعد أن جاءت بيانات الوظائف قوية، تنتقل أنظار الأسواق الآن إلى بيانات التضخم الأمريكية. ستصدر بيانات أسعار المنتجين PPI يوم الخميس، يليها تقرير مؤشر أسعار المستهلكين CPI يوم الجمعة، وهو التقرير الأكثر أهمية بالنسبة لتوقعات أسعار الفائدة. وتتوقع الأسواق ارتفاع التضخم الرئيسي بنحو 0.4% على أساس شهري، بينما تشير التوقعات إلى ارتفاع التضخم الأساسي، باستثناء الغذاء والطاقة، بنحو 0.2%.
إذا جاءت البيانات أعلى من المتوقع، فقد تحصل رهانات رفع الفائدة في سبتمبر على دفعة جديدة. وفي هذه الحالة، قد ترتفع عوائد السندات ويتعرض الذهب لمزيد من الضغوط، خصوصًا إذا تعافى الدولار بالتزامن مع ذلك. أما إذا جاءت بيانات التضخم أكثر اعتدالًا، فقد تتراجع توقعات رفع الفائدة ويضعف الدولار وتنخفض عوائد السندات، وهو ما قد يمنح الذهب فرصة لاستعادة مستوى 4,400 دولار.
مستويات الذهب تحت المراقبة
على الجانب الفني، يمثل مستوى 4,400 دولار للأونصة الاختبار النفسي الأول أمام الذهب في حالة استمرار التعافي. وفي حال اختراقه، ستكون المنطقة القريبة من 4,450 دولارًا، والتي شهدت تداولات العقود الآجلة مؤخرًا، هي الهدف التالي الذي سيراقبه المستثمرون. أما في الاتجاه الهابط، فيظهر الدعم بالقرب من 4,350 دولارًا، يليه مستوى 4,300 دولار.
وبالتالي، تبدو حركة الذهب خلال الأيام المقبلة محكومة بصراع واضح بين ثلاثة عوامل: المخاطر الجيوسياسية، وأسعار الفائدة، وأسعار النفط. وسيكون تقرير التضخم الأمريكي يوم الجمعة هو العامل الذي قد يساعد الأسواق على تحديد أي من هذه القوى سيصبح صاحب التأثير الأكبر. يحاول الذهب حاليًا إيقاف سلسلة الخسائر التي امتدت لثلاث جلسات، مستفيدًا من ضعف الدولار وتصاعد التوترات الجيوسياسية. لكن الطريق أمامه ليس سهلًا.
فارتفاع النفط نحو 100 دولار يزيد الطلب على الذهب كملاذ آمن، لكنه في الوقت نفسه يهدد بإبقاء التضخم مرتفعًا، وهو ما قد يدفع الاحتياطي الفيدرالي إلى سياسة نقدية أكثر تشددًا. وفي الخلفية، تقدم سندات الخزانة الأمريكية عوائد تقترب من 4.81%، ما يجعل تكلفة الفرصة البديلة لامتلاك الذهب مرتفعة نسبيًا. لذلك، قد يكون مستوى 4,400 دولار هو أول اختبار حقيقي لقوة المشترين. أما الاختبار الأكبر فسيأتي يوم الجمعة مع صدور بيانات التضخم الأمريكية. تضخم أقوى من المتوقع قد يعيد الذهب إلى 4,350 ثم 4,300 دولار، بينما قراءة أضعف قد تفتح الطريق أمام المعدن لاستعادة 4,400 ثم 4,450 دولار. وفي الوقت الحالي، يبدو أن الذهب لا يفتقر إلى أسباب الصعود، لكنه يواجه أيضًا أسبابًا قوية تمنعه من الانطلاق.