11
تراجعت أسعار النفط خلال تعاملات الاثنين 26 أكتوبر 2026، بعد صعودها الأسبوع الماضي إلى مستويات قريبة من أعلى مستوياتها في ستة أشهر، وسط آمال بتراجع حدة المواجهات العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، في الوقت الذي لا تزال فيه الهجمات على السعودية ومخاطر اضطراب الإمدادات النفطية تلقي بظلالها على الأسواق العالمية.
انخفضت العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط الأمريكي بنسبة 1.7%، لتسجل 101.51 دولار للبرميل، بينما تراجعت العقود الآجلة لخام برنت بنسبة 1.28% إلى 115.23 دولار للبرميل، بحلول الساعة 7:44 صباحًا بتوقيت جرينتش.
وجاء التراجع بعد أسبوع شهد ارتفاعًا ملحوظًا في أسعار النفط، مدفوعًا بتصاعد المخاوف بشأن أمن الإمدادات في الشرق الأوسط، خاصة عقب الهجمات التي نفذها الحوثيون على أهداف داخل السعودية، والتي عززت المخاوف من اتساع نطاق الصراع وتأثيره على تدفقات النفط العالمية. وكان خام برنت قد أنهى الأسبوع الماضي مرتفعًا بنحو 6%، فيما سجل خام غرب تكساس الوسيط مكاسب أسبوعية بلغت 2.3%، بعدما ارتفعت الأسعار خلال تعاملات الجمعة بنحو 3 دولارات للبرميل، مع تصاعد المخاوف من تعرض البنية التحتية النفطية السعودية لمزيد من الهجمات.
وتأتي التحركات الأخيرة في الأسواق بالتزامن مع جهود دبلوماسية مكثفة لاحتواء التصعيد الإقليمي، حيث توجه وسطاء قطريون إلى طهران الأحد، في إطار مساعٍ لتخفيف التوترات بالتنسيق مع الولايات المتحدة. كما من المقرر أن يعقد مسؤولون رفيعو المستوى من السعودية وتركيا وباكستان اجتماعًا مع القيادة الإيرانية في طهران الاثنين، في أول اتصال على هذا المستوى منذ تحول هجمات الحوثيين المدعومين من إيران على السعودية إلى إحدى نقاط الضغط الرئيسية في الصراع الإقليمي.
ورغم هذه التحركات الدبلوماسية، لا تزال الأسواق تتعامل بحذر مع احتمالات تجدد المواجهات العسكرية، خاصة في ظل استمرار الهجمات التي تستهدف البنية التحتية للطاقة. وقالت فاندانا هاري، مؤسسة شركة «فاندا إنسايتس» المتخصصة في تحليل أسواق النفط، إن المخاوف من تجدد الأعمال العسكرية في الشرق الأوسط، والتي دفعت أسعار الخام إلى الارتفاع خلال الأسبوع الماضي، تراجعت خلال تعاملات الاثنين، لكنها حذرت من أن هذا التحسن قد يكون مؤقتًا.
وأضافت أن تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لم تبدد توقعات الأسواق بشأن احتمال شن ضربات عسكرية على إيران بعد انتخابات التجديد النصفي الأمريكية المقرر إجراؤها في 3 نوفمبر المقبل. وأشارت إلى أن تقلبات أسعار النفط مرشحة للاستمرار عند مستويات مرتفعة، مع بقاء المخاطر مائلة نحو ارتفاع الأسعار، في ظل استمرار التهديدات التي تواجه الإمدادات.
وفي تطور يعكس استمرار الضغوط على قطاع الطاقة السعودي، أعلن الحوثيون تنفيذ هجمات خلال عطلة نهاية الأسبوع استهدفت محطات ضخ على خط أنابيب النفط السعودي الممتد من الشرق إلى الغرب، إلى جانب مطار الرياض. في المقابل، أعلنت السعودية اعتراض المزيد من الصواريخ والطائرات المسيرة الأحد، في مؤشر على استمرار التوترات الأمنية رغم الجهود الدبلوماسية الرامية إلى احتواء الصراع.
وتأتي هذه التطورات في وقت لا تزال فيه الأسواق العالمية تتأثر بتداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، التي بدأت في 28 فبراير الماضي، وما نتج عنها من اضطرابات في حركة الشحن التجاري عبر مضيق هرمز ومضيق باب المندب، وهما من أهم الممرات البحرية الاستراتيجية لتجارة الطاقة العالمية. ويظل مضيق هرمز أحد أبرز مصادر القلق بالنسبة لأسواق النفط، نظرًا لدوره الحيوي في نقل الإمدادات النفطية من منطقة الخليج إلى الأسواق العالمية، حيث إن أي تعطيل مستمر لحركة الملاحة عبره قد يؤدي إلى ارتفاع تكاليف النقل والتأمين، وزيادة الضغوط على أسعار الخام.
وفي محاولة لتعزيز مرونة سلاسل الإمداد النفطية في المنطقة، أعلن وزيرا الطاقة السعودي والسنغافوري الاثنين أن شركة أرامكو السعودية الحكومية ستبدأ تخزين النفط الخام في سنغافورة اعتبارًا من النصف الثاني من عام 2027. وتستهدف الخطوة دعم قدرة الشركة على مواجهة اضطرابات الإمدادات، وتعزيز مرونة عملياتها اللوجستية في الأسواق الآسيوية، في ظل تصاعد المخاطر الجيوسياسية التي تواجه قطاع الطاقة.
من جانبها، قالت بريانكا ساشديفا، رئيسة تحليل الأسواق لدى شركة «فيليب نوفا»، إن التراجع الحالي في أسعار النفط يبدو أقرب إلى عمليات إعادة ترتيب المراكز الاستثمارية وإدارة المخاطر، وليس نتيجة تحسن حقيقي في أوضاع الإمدادات النفطية. وأضافت أن المخاطر المرتبطة بمضيق هرمز لا تزال قائمة بقوة، ما يعني أن الأسواق لم تتجاوز بعد التهديدات الأساسية التي دفعت الأسعار إلى الارتفاع خلال الفترة الماضية.
وبذلك، تعكس تحركات النفط الحالية حالة من التوازن المؤقت بين التفاؤل بشأن الجهود الدبلوماسية في الشرق الأوسط، والمخاوف المستمرة من اتساع الصراع وتأثيره على الإمدادات العالمية، وهو ما يجعل اتجاه الأسعار خلال الفترة المقبلة مرهونًا بدرجة كبيرة بتطورات الوضع العسكري والسياسي في المنطقة.