بالرغم من أن ارتفاع أسعار النفط خلال الشهرين الماضيين يحمل بطبيعته تأثيراً تضخمياً، إلا أن هذا التأثير يبقى محدوداً ومؤقتاً إذا ما عادت الأسعار إلى مستوياتها السابقة. لكن الصورة تتغير جذرياً في حال استمرار الأزمة الجيوسياسية في هرمز ، وإغلاق هذا الممر الحيوي، وغياب أي أفق واضح لعودة تدفقات النفط أو انخفاض الأسعار.
في هذا السيناريو، نحن لا نتحدث عن صدمة قصيرة، بل عن تحول خطير في مسار التضخم العالمي، قد يبدأ بالظهور بوضوح خلال شهر إلى شهرين من الآن، مع انتقال أثر الطاقة إلى باقي مكونات الاقتصاد.
أهمية العامل الزمني في التضخم
المدة الزمنية هنا هي العامل الحاسم. ارتفاع النفط لفترة قصيرة لا يكفي لإحداث موجة تضخمية واسعة، لأن الشركات والمستهلكين قد يمتصون الصدمة مؤقتاً. لكن عندما تستمر الأسعار المرتفعة لشهرين إضافيين من الآ أو أكثر، يبدأ الأثر بالتسرب تدريجياً من الطاقة إلى النقل، ثم إلى الغذاء، ثم إلى السلع والخدمات، لتتحول الصدمة إلى تضخم شامل.
بمعنى آخر، الفرق بين شهرين وأربعة أشهر من الأسعار المرتفعة هو الفرق بين ضغط مؤقت وموجة تضخمية واسعة النطاق.
ماذا تقول التقديرات الدولية؟
تشير تقديرات صندوق النقد الدولي والعديد من الدراسات الاقتصادية إلى أن كل ارتفاع بنسبة 10% في أسعار النفط قد يضيف نحو 0.3 إلى 0.5 نقطة مئوية إلى معدلات التضخم، مع اختلاف الأثر حسب هيكل الاقتصاد واعتماده على الطاقة.
وبالتالي، فإن ارتفاع النفط من 75 إلى 120 دولاراً (أي حوالي 60%) قد يترجم نظرياً إلى زيادة تتراوح بين 1.5 و3 نقاط مئوية في التضخم، إذا استمرت الصدمة لفترة كافية وانتقلت بالكامل إلى الاقتصاد.
الاقتصاد الأمريكي: تأثير محدود نسبياً لكنه متصاعد
في الولايات المتحدة، ورغم كونها منتجاً كبيراً للطاقة، إلا أن المستهلك الأمريكي يتأثر مباشرة بأسعار الوقود. في حال استمرار النفط عند مستويات مرتفعة، قد نشهد ارتفاع التضخم من مستويات تقارب 3% إلى نطاق يتراوح بين 4.5% و5.5% خلال الأشهر القادمة.
التأثير هنا يبدأ من أسعار البنزين، ثم ينتقل إلى تكاليف النقل والخدمات، وقد يؤدي إلى تأخير أي توجه نحو خفض الفائدة، خصوصاً إذا استمر الضغط لفترة أطول.
منطقة اليورو: الأكثر هشاشة أمام صدمة الطاقة
تعتمد منطقة اليورو بشكل كبير على واردات الطاقة، ما يجعلها أكثر عرضة للصدمات. استمرار ارتفاع النفط نتيجة إغلاق مضيق هرمز قد يدفع التضخم من مستويات قريبة من 3% إلى نطاق يتراوح بين 5% و6.5% أو حتى أعلى.
الأثر في أوروبا لا يقتصر على الوقود، بل يمتد إلى الكهرباء والغاز والتدفئة، ما يجعل الصدمة أعمق وأكثر انتشاراً في الاقتصاد.
بريطانيا: تضخم حساس وسريع التفاعل
الاقتصاد البريطاني يُظهر حساسية كبيرة تجاه أسعار الطاقة، سواء عبر فواتير المنازل أو تكاليف النقل. في حال استمرار النفط المرتفع، قد يرتفع التضخم إلى نطاق 5% إلى 7%، مدفوعاً بانتقال سريع للتكاليف إلى المستهلك النهائي.
هذا يضع بنك إنجلترا أمام معضلة حقيقية بين دعم النمو والسيطرة على التضخم.
آسيا: تفاوت واسع بين الاقتصادات
في آسيا، يختلف التأثير حسب الدولة. الاقتصادات الكبرى المستوردة للطاقة مثل الهند وكوريا الجنوبية واليابان ستشهد ارتفاعاً واضحاً في التضخم، قد يصل إلى +3 إلى +5 نقاط مئوية.
أما الصين، فقد تمتص جزءاً من الصدمة عبر سياسات الدعم والسيطرة على الأسعار، لكن استمرار الأزمة سيؤثر تدريجياً على تكاليف الإنتاج والتصدير.
الأسواق الناشئة: الخطر الأكبر
الأسواق الناشئة تمثل الحلقة الأضعف في هذه المعادلة. ارتفاع النفط لا يعني فقط زيادة تكلفة الطاقة، بل أيضاً ضغطاً على العملات المحلية وارتفاع تكلفة الاستيراد بالدولار.
في هذا السياق، قد نشهد ارتفاعات تضخمية تتراوح بين +4 إلى +8 نقاط مئوية، خصوصاً في الدول التي تعاني من ضعف العملة أو عجز في الميزان التجاري.
هذه الدول قد تواجه مزيجاً خطيراً من تضخم مرتفع وتباطؤ اقتصادي، وهو ما يعرف بالركود التضخمي.
الخلاصة
إغلاق مضيق هرمز وارتفاع أسعار النفط ليس مجرد حدث في سوق الطاقة، بل هو محرك رئيسي لموجة تضخمية عالمية محتملة.
إذا بقيت الأسعار مرتفعة لفترة قصيرة، يمكن للاقتصاد امتصاص الصدمة. لكن إذا استمرت الأزمة لشهرين إضافيين أو أكثر، فإننا أمام سيناريو قد يعيد التضخم إلى مستويات مرتفعة عالمياً، ويؤخر مسار التعافي الاقتصادي.
الخلاصة الاستراتيجية
التضخم لا ينفجر فوراً… لكنه يتراكم بصمت.
وما يبدو اليوم مجرد ارتفاع في أسعار النفط، قد يتحول خلال أسابيع إلى أزمة تضخمية عالمية شامل.