16
يواجه الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي معضلة اقتصادية معقدة، إذ يواصل التضخم الارتفاع إلى مستويات أعلى بكثير من مستهدف البنك المركزي، بينما يدرس المسؤولون تأجيل رفع أسعار الفائدة مجددًا إلى ديسمبر، لإتاحة مزيد من الوقت لتقييم تأثير القرارات السابقة وتطورات الاقتصاد والحرب في الشرق الأوسط. وتأتي هذه المعضلة قبل انتخابات التجديد النصفي الأمريكية المقررة في 3 نوفمبر، وفي ظل استمرار الضغوط على تكلفة المعيشة. وكان الفيدرالي قد رفع أسعار الفائدة في سبتمبر للمرة الأولى منذ ثلاث سنوات، لتصل إلى نطاق يتراوح بين 3.75% و4%.
ورغم رغبة إدارة الرئيس دونالد ترامب في خفض الفائدة، فإن الأسواق لا تتوقع خفضها خلال اجتماع أكتوبر، بل ترجح تثبيتها مؤقتًا، مع احتمال رفعها مجددًا بمقدار 25 نقطة أساس في ديسمبر.
لماذا قد يفضل الفيدرالي الانتظار؟
يرى اقتصاديون أن السياسة النقدية تحتاج إلى وقت حتى يظهر تأثيرها الكامل على النشاط الاقتصادي والتضخم. ولذلك، فإن تثبيت الفائدة خلال أكتوبر قد يمنح المسؤولين فرصة لتقييم أثر الزيادة الأخيرة قبل اتخاذ قرار جديد. وبحسب استطلاع أجرته «رويترز» وشمل 100 اقتصادي، توقع 94 منهم تثبيت الفائدة خلال أكتوبر، بينما توقع جميع المشاركين رفعها في ديسمبر.
كما أن تطورات الحرب مع إيران تمثل عاملًا إضافيًا في حسابات البنك المركزي، نظرًا لتأثيرها المحتمل على أسعار النفط والطاقة، وبالتالي على التضخم. وقال يوڤال بار أور، أستاذ التمويل بجامعة جونز هوبكنز، إن مسار التصعيد أو التهدئة العسكرية ستكون له تداعيات كبيرة على أسعار الطاقة والتضخم، ما يجعل الانتظار حتى تتضح الصورة خيارًا مهمًا لصناع السياسة النقدية.
التضخم يعزز مبررات رفع الفائدة
في المقابل، تتزايد الضغوط التي تدفع نحو تشديد السياسة النقدية. فقد ارتفعت أسعار المستهلكين في الولايات المتحدة بنسبة 3.7% على أساس سنوي خلال سبتمبر، مقابل 3.4% في أغسطس، لتظل أعلى بكثير من مستهدف الفيدرالي البالغ 2%. وكانت توقعات أعضاء لجنة السياسة النقدية الصادرة في سبتمبر قد أشارت إلى احتمالات رفع الفائدة مرة أخرى قبل نهاية العام؛ إذ رأى 12 عضوًا إمكانية رفعها بمقدار 25 نقطة أساس إضافية، بينما أيد أربعة أعضاء تشديدًا أكبر، ورأى عضوان عدم الحاجة إلى زيادات أخرى.
وحذرت بيث هاماك، رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في كليفلاند، من أن استمرار التضخم المرتفع قد يؤدي إلى ترسخ توقعات ارتفاع الأسعار داخل الاقتصاد، ما يجعل السيطرة عليه أكثر صعوبة مستقبلًا. كما أشار أوستان جولسبي، رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في شيكاغو، إلى مخاوف من تحول الضغوط التضخمية إلى نتيجة لزيادة الطلب الاقتصادي نفسه، بدلًا من كونها ناتجة فقط عن عوامل مؤقتة مثل الرسوم الجمركية.
ضغوط سياسية واختبار لاستقلالية الفيدرالي
ولا تقتصر التحديات على الاقتصاد، إذ تتواصل الخلافات بين الرئيس ترامب ومسؤولي الاحتياطي الفيدرالي بشأن السياسة النقدية واستقلالية البنك المركزي. فقد جدد ترامب مساعيه لإقالة عضوة مجلس المحافظين ليزا كوك، كما دعا إلى إجبار الرئيس السابق للفيدرالي جيروم باول على الاستقالة، رغم انتهاء رئاسته للبنك في مايو الماضي واستمرار عضويته في اللجنة حتى يناير 2028.
وتضيف هذه الخلافات بُعدًا سياسيًا إلى اجتماع أكتوبر، وإن كان مسؤولو الفيدرالي يؤكدون أن قراراتهم تستند إلى البيانات الاقتصادية وليس الاعتبارات الانتخابية.
في النهاية، يواجه الفيدرالي خيارين صعبين: رفع الفائدة سريعًا لمواجهة التضخم، مع زيادة تكلفة الاقتراض على الأسر والشركات، أو الانتظار لتقييم أثر القرارات السابقة ومخاطر الحرب، مع احتمال السماح للتضخم بالبقاء مرتفعًا لفترة أطول. وتشير توقعات الأسواق إلى أن البنك قد يختار التثبيت مؤقتًا في أكتوبر، مع بقاء ديسمبر محطة حاسمة لتحديد اتجاه السياسة النقدية قبل نهاية العام.