12
واصل الين الياباني موجة صعوده القوية أمام الدولار، بعدما هبط زوج الدولار/الين USD/JPY إلى مستويات تقترب من 153 ينًا للدولار، ليسجل الين أقوى مستوى له منذ فبراير الماضي. وتأتي هذه الحركة بعد أسبوع واحد فقط كان فيه الدولار يتداول فوق مستوى 160 ينًا، ما يعني أن العملة اليابانية ارتفعت بنحو 4% خلال أيام قليلة.
واللافت أن هذا الصعود يأتي هذه المرة في ظل تغير واضح في توقعات السياسة النقدية اليابانية، وليس فقط نتيجة تدخل السلطات في سوق العملات، ما يجعل الحركة الحالية أكثر أهمية بالنسبة للمستثمرين.
الين يتجاوز مستويات التدخل السابقة
تراجع زوج الدولار/الين إلى حدود 153 ينًا يوم الثلاثاء، ليتجاوز بذلك المستويات التي وصل إليها بعد التدخل المشترك النادر بين اليابان والولايات المتحدة في سوق العملات خلال يوليو. وكانت السلطات اليابانية قد أنفقت رقمًا قياسيًا بلغ نحو 15.4 تريليون ين، أي ما يعادل 96.5 مليار دولار لدعم العملة خلال الفترة بين 30 يوليو و26 أغسطس.
لكن الوضع الحالي يبدو مختلفًا.
فبدلًا من أن يكون صعود الين مدفوعًا بشكل أساسي بعمليات شراء رسمية للعملة، بدأت توقعات أسعار الفائدة تلعب الدور الأكبر في دفع الين إلى الأعلى. ويقوم المتداولون حاليًا بإغلاق مراكز البيع على الين التي تراكمت خلال السنوات الماضية، عندما كانت اليابان تقدم أسعار فائدة أقل بكثير من معظم الاقتصادات المتقدمة الأخرى. وتعتبر هذه المراكز جزءًا من استراتيجية Carry Trade، حيث يقترض المستثمرون بالين بتكلفة منخفضة، ثم يستخدمون الأموال لشراء أصول وعملات تقدم عوائد أعلى في أسواق أخرى.
لكن ارتفاع احتمالات رفع الفائدة اليابانية يجعل هذه الاستراتيجية أقل جاذبية، ويدفع المستثمرين إلى إعادة شراء الين لإغلاق مراكزهم، ما يزيد الطلب على العملة اليابانية.
الاقتصاد الياباني يعطي بنك اليابان مساحة أكبر لرفع الفائدة.
لم تأتِ توقعات رفع الفائدة اليابانية من فراغ.
فقد جرى تعديل بيانات النمو الاقتصادي في اليابان للربع الثاني بالرفع إلى 1.4% على أساس سنوي، مدعومة بزيادة أقوى من المتوقع في استثمارات الشركات.
وفي الوقت نفسه، ارتفعت الأجور الحقيقية بنسبة 2.4% على أساس سنوي خلال يوليو، وهو أكبر ارتفاع لها منذ مايو 2021، كما يمثل الشهر السابع على التوالي الذي تسجل فيه نموًا.
ارتفاع الأجور الحقيقية مهم لأنه يعني أن القوة الشرائية للمستهلكين تتحسن، وهو ما يمنح الاقتصاد قدرة أكبر على تحمل ارتفاع تكاليف الاقتراض الناتجة عن رفع أسعار الفائدة. وهذا تحديدًا ما يحتاجه بنك اليابان قبل اتخاذ خطوات أكثر تشددًا. فإذا كان الاقتصاد ينمو، والاستثمارات تتحسن، والأجور الحقيقية ترتفع، تصبح حجة رفع الفائدة أقوى، حتى لو كان ذلك يعني زيادة تكلفة الاقتراض على الشركات والأسر.
الأسواق تكاد تحسم رفع الفائدة في سبتمبر
تُظهر أسواق المقايضات الآن احتمالًا يقارب 98% لقيام بنك اليابان برفع سعر الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس إلى 1.25% خلال اجتماع 18 سبتمبر. ولم تتوقف توقعات الأسواق عند هذا الحد، إذ أصبح رفع الفائدة مرة أخرى إلى 1.50% بحلول يناير مسعّرًا بالكامل تقريبًا. هذه الأرقام توضح مدى سرعة تغير توقعات المستثمرين تجاه السياسة النقدية اليابانية.
فلفترة طويلة كان الين هو العملة المفضلة لتمويل صفقات الـCarry Trade بسبب انخفاض أسعار الفائدة اليابانية. أما الآن، فقد بدأت الأسواق تتعامل مع احتمال أن يتحول بنك اليابان تدريجيًا من أحد أكثر البنوك المركزية تيسيرًا في العالم إلى بنك أكثر تشددًا. وفي الوقت نفسه، قالت وزيرة المالية اليابانية ساتسوكي كاتاياما إن طوكيو وواشنطن لا تزالان متفقتين على دعم استقرار أسواق العملات، بعد التدخل المشترك النادر الذي شهدته السوق مؤخرًا.
بيانات التضخم الأمريكية قد توقف صعود الين
لكن قوة الين لا تعني أن الطريق أمامه أصبح خاليًا من العقبات. فالجانب الآخر من زوج الدولار/الين يعتمد على السياسة النقدية الأمريكية، والولايات المتحدة نفسها لا تزال تقدم أسبابًا لدعم الدولار. فقد أضاف الاقتصاد الأمريكي 162 ألف وظيفة خلال أغسطس، أي ما يقرب من ثلاثة أضعاف التوقعات، وهو ما رفع احتمالات قيام الاحتياطي الفيدرالي برفع الفائدة الأسبوع المقبل إلى نحو 60%.
ومن الناحية النظرية، يفترض أن يؤدي ارتفاع أسعار الفائدة الأمريكية إلى دعم الدولار أمام الين، لأنه يزيد الفارق في العوائد بين الأصول المقومة بالدولار والأصول اليابانية.
لكن الدولار لم يستفد حتى الآن من هذه الميزة بالشكل المتوقع.
فقد تراجع مؤشر الدولار إلى نحو 98.80 نقطة يوم الثلاثاء، وهو أدنى مستوى له في أسبوعين، وسط مخاوف بشأن الوضع المالي الأمريكي وحذر المستثمرين قبل صدور بيانات التضخم. وهنا تظهر أهمية بيانات الأسعار الأمريكية هذا الأسبوع. PPI ثم CPI.. والاختبار الحقيقي للدولار ستصدر بيانات أسعار المنتجين PPI يوم الخميس، تليها بيانات مؤشر أسعار المستهلكين CPI يوم الجمعة.
إذا جاءت أرقام التضخم أعلى من المتوقع، فقد ترتفع عوائد سندات الخزانة الأمريكية، ويستعيد الدولار بعض قوته، ما قد يؤدي إلى ارتداد حاد في زوج الدولار/الين حتى قبل اجتماع بنك اليابان. أما إذا جاءت البيانات ضعيفة، فقد تتراجع توقعات رفع الفائدة الأمريكية، وتستمر الضغوط على الدولار، ما يمنح الين فرصة لمواصلة مكاسبه. وبالتالي، فإن سوق العملات يواجه حاليًا موقفًا نادرًا نسبيًا: بنك اليابان يستعد لرفع الفائدة، والاحتياطي الفيدرالي أيضًا قد يرفعها. والسؤال الحقيقي ليس فقط أي بنك سيرفع الفائدة، وإنما أي بنك سيتحرك بوتيرة أسرع من توقعات الأسواق.
مستويات مهمة أمام الدولار والين
بعد الهبوط إلى قرب 153 ينًا، أصبح مستوى 153 هو نقطة التحول الرئيسية لزوج الدولار/الين. وفي حال استمرار قوة الين، تبرز مستويات الدعم التالية عند 152 ثم المستوى النفسي المهم 150 ينًا للدولار. أما على الجانب الصاعد، فتظهر المقاومة بالقرب من 155 ينًا، وهي المنطقة المرتبطة بالمستويات التي شهدت تدخل السلطات اليابانية سابقًا. استمرار التداول دون هذه المنطقة سيعزز فكرة أن الاتجاه قد تغير بالفعل، وأن الارتفاع السابق للدولار فوق 160 ينًا أصبح جزءًا من الماضي. لكن قراءة قوية جدًا للتضخم الأمريكي قد تغير المشهد بسرعة، وترفع عوائد السندات الأمريكية وتدفع المستثمرين مجددًا نحو الدولار..
الين الياباني يمر حاليًا بأقوى موجة صعود له منذ أشهر.
فبعد أن تجاوز الدولار مستوى 160 ينًا الأسبوع الماضي، هبط الزوج إلى حدود 153 ينًا في غضون أيام، في حركة تعكس تغيرًا كبيرًا في توقعات السياسة النقدية اليابانية. النمو الاقتصادي الأقوى، وارتفاع الأجور الحقيقية، والاحتمال الذي يقترب من اليقين لرفع بنك اليابان الفائدة إلى 1.25% في سبتمبر، كلها عوامل تدعم استمرار قوة الين.
لكن الدولار لا يزال يمتلك ورقة مهمة: التضخم الأمريكي.
إذا جاءت بيانات CPI قوية، فقد يحصل الدولار على دفعة كبيرة ويوقف موجة صعود الين. أما إذا جاءت البيانات ضعيفة، فقد يجد الين مساحة أكبر للهبوط بزوج الدولار/الين نحو 152 ثم 150. وفي الوقت الحالي، تبدو المعركة بين العملتين أكثر تعقيدًا من مجرد مقارنة أسعار الفائدة. بنك اليابان يتحول نحو التشدد، والاحتياطي الفيدرالي يواجه تضخمًا وسوق عمل قويًا، والأسواق تحاول تحديد أي منهما سيصبح الطرف الأكثر تشددًا في الأشهر المقبلة.