شهدت العملة الإيرانية خلال الفترة الأخيرة واحداً من أعنف فصول التدهور في تاريخها الحديث، حيث واصل الريال الإيراني الانهيار أمام الدولار الأمريكي بوتيرة متسارعة، ما حوّل سعر الصرف إلى مرآة تعكس عمق الأزمة الاقتصادية والسياسية التي تعيشها البلاد. هذا الانهيار لم يأتِ فجأة، بل كان نتيجة مسار طويل من الضغوط المتراكمة، التي انفجرت في لحظة فقدان شبه كامل للثقة في العملة المحلية وقدرة الدولة على حمايتها.
السبب الجوهري وراء هذا الانهيار يتمثل في الاختناق المزمن لمصادر العملة الصعبة داخل الاقتصاد الإيراني. فإيران، التي تعتمد تاريخياً على صادرات النفط كمصدر رئيسي للدولار، وجدت نفسها معزولة عن الأسواق العالمية بسبب العقوبات، ما أدى إلى تراجع حاد في تدفقات النقد الأجنبي. ومع كل صدمة سياسية أو تصعيد إقليمي، تتعمق حالة الذعر في السوق، فيندفع الأفراد والتجار إلى شراء الدولار باعتباره الملاذ الوحيد، فتدخل العملة في حلقة هبوط ذاتي تغذي نفسها بنفسها.
في الوقت ذاته، تعاني السياسات النقدية من ضعف شديد في المصداقية. البنك المركزي الإيراني لجأ مراراً إلى طباعة النقود لتمويل عجز الحكومة، وهو ما أدى إلى تضخم مرتفع ومستمر. ومع ارتفاع الأسعار، يفقد الريال وظيفته الأساسية كمخزن للقيمة، ويتحول إلى مجرد أداة مؤقتة للتبادل، لا يرغب أحد في الاحتفاظ بها. هذا السلوك الجماعي يسرّع من وتيرة الانهيار، لأن العملة، في جوهرها، تقوم على الثقة قبل أي شيء آخر.
اقتصادياً، انعكس هذا التدهور بشكل مباشر على حياة الإيرانيين. أسعار السلع الأساسية ارتفعت بصورة حادة، خاصة تلك المرتبطة بالاستيراد مثل الغذاء والدواء والطاقة. الدخل الحقيقي للأسر تآكل، والطبقة الوسطى التي كانت تمثل صمام أمان اجتماعي بدأت في الانكماش، بينما اتسعت دائرة الفقر. الشركات الصغيرة والمتوسطة أصبحت عاجزة عن التخطيط أو التسعير، في ظل تقلبات يومية في سعر الصرف، ما أدى إلى تباطؤ النشاط الاقتصادي وزيادة البطالة المقنّعة.
أما على الصعيد الاجتماعي، فإن آثار انهيار العملة لا تقل خطورة عن آثاره الاقتصادية. الشعور العام بعدم الاستقرار يتزايد، والضغط النفسي على الأسر يتفاقم، مع خوف دائم من الغد وقلق من فقدان القدرة على تأمين الاحتياجات الأساسية. تاريخياً، مثل هذه الظروف تكون أرضاً خصبة لاحتجاجات اجتماعية، تبدأ بمطالب معيشية بحتة، ثم سرعان ما تتخذ طابعاً أوسع يعكس فقدان الثقة في الإدارة الاقتصادية والسياسية للدولة.
يبقى السؤال الأهم: هل للولايات المتحدة الأمريكية يد في هذا الانهيار؟ الإجابة الواقعية هي نعم، ولكن ليس بالصورة التبسيطية التي تُطرح أحياناً. العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة الأمريكية على إيران لعبت دوراً محورياً في خنق الاقتصاد الإيراني، عبر عزل النظام المصرفي ومنع تدفق الدولار وتقليص عائدات النفط. هذا الضغط الخارجي كان بمثابة الشرارة، لكنه لم يكن وحده المسؤول عن الحريق. فضعف الإدارة الاقتصادية، وسوء تخصيص الموارد، وغياب الإصلاحات الهيكلية، كلها عوامل داخلية جعلت الاقتصاد هشاً وغير قادر على امتصاص الصدمات.
في المحصلة، ما يحدث اليوم للريال الإيراني هو نتيجة تفاعل معقّد بين ضغوط خارجية قوية وأخطاء داخلية مزمنة. وإذا استمر هذا المسار دون انفراج سياسي حقيقي أو إصلاح اقتصادي جذري، فإن الأيام المقبلة قد تشهد مزيداً من التدهور في سعر الصرف، ومزيداً من الضغط على المجتمع الإيراني، بما يحمله ذلك من تبعات اقتصادية واجتماعية يصعب احتواؤها على المدى القصير.