تغيّر المزاج الاستثماري عالميًا
تشهد أسواق العملات المشفّرة موجة تراجعات واضحة تعكس تحوّلًا ملحوظًا في المزاج الاستثماري العالمي، حيث اتجه المستثمرون إلى تقليل انكشافهم على الأصول عالية المخاطر، في ظل تصاعد المخاوف الجيوسياسية واتساع دائرة عدم اليقين السياسي والاقتصادي.
هذه التحركات لا يمكن فصلها عن التطورات الأخيرة على الساحة الدولية، والتي أعادت إلى الواجهة سيناريوهات التوتر وعدم الاستقرار، ودَفعت الأسواق إلى تبنّي سلوك دفاعي بعد فترات من الارتفاعات القوية التي شهدتها الأصول الخطرة، وعلى رأسها العملات المشفّرة.
أولًا: أداء العملات المشفّرة – هبوط جماعي يؤكد التخارج
سجّلت العملات المشفّرة الرئيسية تراجعات متزامنة، ما يؤكد أن الضغوط البيعية ذات طابع شمولي وليست مرتبطة بعوامل خاصة بكل عملة على حدة:
- بيتكوين (Bitcoin):
73,891.70 دولار
▼ -2,129.83 دولار | -2.80% - إيثيريوم (Ethereum):
2,146.49 دولار
▼ -129.49 دولار | -5.69% - سولانا (Solana):
92.55 دولار
▼ -7.82 دولار | -7.79% - دوجكوين (Dogecoin):
0.1033 دولار
▼ -4.64% - ريبل (XRP):
1.54 دولار
▼ -4.11%
ويُلاحظ أن العملات ذات الطابع المضاربي الأعلى سجّلت نسب تراجع أكبر، وهو ما يتماشى مع سلوك الأسواق في فترات العزوف عن المخاطرة.
ثانيًا: دلالات العوائد السلبية – ضغط زمني ممتد
الضغوط البيعية لا تقتصر على جلسة أو جلستين، بل تمتد عبر فترات زمنية متعددة للبيتكوين كالتالي:
- آخر 5 أيام: -17.26%
- آخر شهر: -17.81%
- آخر 3 أشهر: -26.59%
- منذ بداية العام: -15.50%
- على أساس سنوي: -25.23%
هذه الأرقام تشير بوضوح إلى أن السوق يمرّ بمرحلة إعادة تسعير للمخاطر، وليس مجرد تصحيح فني محدود.
ثالثًا: الخلفية الجيوسياسية – عامل الضغط الأساسي
التوترات الجيوسياسية الأخيرة شكّلت عنصرًا محوريًا في هذا التحوّل، لا سيما مع:
- تصاعد التصريحات السياسية الحادة الصادرة عن الولايات المتحدة.
- تداول تصريحات مثيرة للجدل حول الرغبة في السيطرة على جزيرة غرينلاند.
- تصاعد التوتر مع إيران.
- احتدام الخلافات السياسية والاقتصادية مع مجموعة من الدول في أميركا الجنوبية وكندا.
- اتساع نبرة التصعيد السياسي، ما زاد من حالة عدم اليقين بشأن العلاقات الدولية والاستقرار العالمي.
مثل هذه الأجواء تدفع المستثمرين عادةً إلى الابتعاد عن الأصول الخطرة، والتوجّه نحو السيولة أو الأصول الدفاعية، وهو ما يفسّر حدة التراجعات في سوق العملات المشفّرة.
رابعًا: ارتباط الكريبتو بأسواق الأسهم – ناسداك يعطي الإشارة
الضغوط لم تكن حكرًا على العملات المشفّرة، بل امتدت إلى أسواق الأسهم، خصوصًا أسهم النمو:
- مؤشر ناسداك سجّل تراجعًا يقارب 3% خلال آخر خمس جلسات.
- هذا التراجع يعكس تخارجًا تدريجيًا من الأصول التي ارتفعت بشكل كبير في الفترات السابقة، خاصة أسهم التكنولوجيا.
- وبحكم الارتباط الوثيق بين أسهم النمو والعملات المشفّرة، انتقلت العدوى سريعًا إلى سوق الكريبتو ولكن بحدة أكبر.
في المقابل، أظهر مؤشر داو جونز أداءً أفضل نسبيًا، ما يعكس تفضيل المستثمرين للأسهم الأقل مخاطرة.
خامسًا: بيتكوين – قراءة تاريخية لأدنى الأسعار
لفهم حساسية السوق الحالية، من المهم التذكير بأبرز القيعان التاريخية التي سجّلتها عملة بيتكوين خلال الفترات السابقة:
- قاع 2022:
نحو 15,486 دولار (نوفمبر 2022)
بعد انهيارات متتالية في سوق العملات المشفّرة. - قاع 5 سنوات:
قريب من 15,486 دولار أيضًا، ما يؤكد أهمية هذا المستوى تاريخيًا. - قاع 10 سنوات:
قرابة 377 دولارًا (فبراير 2016)، وهو ما يبرز الفارق الهائل بين مراحل السوق المختلفة.
في المقابل، سجّلت بيتكوين قمة تاريخية قرب 126,279.63 دولار، ما يجعل التراجعات الحالية جزءًا من دورة تصحيح طبيعية بعد موجة ارتفاع قوية، لكنها تتضخم في ظل الظروف الجيوسياسية الراهنة.
الخلاصة
الهبوط الحالي في سوق العملات المشفّرة يعكس مزيجًا من العوامل النفسية والجيوسياسية والمالية، وليس عاملًا واحدًا فقط.
نحن أمام:
- تحوّل واضح نحو تقليل المخاطر.
- تخارج من الأصول التي حققت مكاسب كبيرة سابقًا.
- حساسية مرتفعة لأي تصريحات أو تطورات سياسية.
- ارتباط مباشر بحركة أسهم التكنولوجيا، خاصة مؤشر ناسداك.
وبالتالي، فإن المرحلة الحالية تتطلب حذرًا مرتفعًا، وقراءة دقيقة لتطورات المشهد السياسي والاقتصادي العالمي، قبل الحديث عن عودة الزخم أو استئناف الاتجاه الصاعد.