أولًا: إشكالية تسعير السلع ولماذا لا يكفي السعر السوقي فقط لإفتراض سعرها الحقيقي؟
تقييم السلع الأساسية، وعلى رأسها الفضة، يُعد من أكثر تحديات الاستثمار تعقيدًا. فالفضة ليست شركة تولّد تدفقات نقدية يمكن خصمها، ولا تمتلك نموذج أعمال أو إدارة يمكن تحليل قراراتها. ومع ذلك، فإن الاكتفاء بالنظر إلى السعر السوقي بوصفه انعكاسًا مباشرًا للعرض والطلب اللحظي أو للزخم المضاربي فقط، غالبًا ما يقود إلى قرارات استثمارية متأخرة، دورية، أو متأثرة بانحيازات نفسية واضحة.
من هنا تنبع الحاجة إلى إطار تقييم مختلف؛ إطار لا يحاول التنبؤ بالسعر القادم، بل يسعى إلى تقدير القيمة العادلة المحتملة التي يتمحور حولها السعر على المدى المتوسط والطويل. هذا الإطار يقوم على الجمع بين منطق اقتصادي يحدد مركز الجاذبية السعرية طويلة الأجل، وتحليل فني يقيّم سلوك السوق الحالي ويحدد أي السيناريوهات أكثر ترجيحًا في اللحظة الراهنة.
ثانيًا: التقييم الاقتصادي. منطق التكلفة الحدّية ومركز الجاذبية السعرية طويلة الأجل.
1. منطق التكلفة الحدّية كأرضية اقتصادية للسعر.
على المدى الطويل، لا يمكن لأي سوق سلعي أن يستمر في تسعير السلعة دون تكلفة إنتاج الوحدة الحدّية الأعلى. المقصود هنا ليس متوسط التكلفة، ولا تكلفة المنتجين الأكفأ، بل تكلفة آخر منتج قادر على البقاء في السوق.وهو في هذه الحالة أعلى سعر انتاج لأخر أونصة فضة تم انتاجها. فالشركات التي تستخرج الفضة من باطن الأرض تقوم بعملية حساب التكلفة للأونصة الواحدة بقسمة مجموع التكاليف على مجموع الانتاج. وعندما يزيد الطلب على الفضة أو الذهب تقوم الشركات بفتح خطوط الانتاج بكل طاقتها حتى تستفيد من ارتفاع الأسعار الغير دائم في الغالب. وهو ما يعني زيادة تكلفة انتاج الأونصة. وهنا يتم أخذ أعلى سعر انتاج للأونصة الواحدة ويتم الحساب عليه.
آلية التكيّف في أسواق السلع لا تتم فقط عبر الطلب، بل – والأهم – عبر العرض. فعندما ينخفض السعر لفترة ممتدة، يستمر المنتجون منخفضو التكلفة في الإنتاج، بينما يبدأ المنتجون الأعلى تكلفة في تقليص الإنتاج، تأجيل التوسعات، أو الخروج من السوق كليًا. هذا الانسحاب التدريجي يقلل المعروض، ويدفع السعر للعودة نحو مستوى يضمن بقاء المنتج الحدّي. بالتالي، فإن أعلى تكلفة تمثل أرضية اقتصادية أو مركز جاذبية طويلة الأجل للسعر، وليس مجرد رقم محاسبي. لماذا؟ لأن أعلى سعر هو السعر الذي عندما تهبط الأسعار اليه يبدأ تقليل الانتاج من المُنتجين الأكثر تكلفة بالتالي يبدأ عند هذه الأسعار انخفاض المعروض. ويبدأ السعر في الاتجاه الى التوازن مع الطلب المنخفض.
2. تحديد الأساس الاقتصادي للفضة
بالاعتماد على أحدث بيانات تكاليف الإنتاج الشاملة (AISC) لمناجم الفضة عالميًا، يتضح أن أعلى تكلفة حدّية لإنتاج أونصة الفضة تدور حول 36 دولارًا للأونصة أو أعلى قليلًا. هذا الرقم يعكس شريحة المنتجين الأعلى تكلفة، وهو الأكثر أهمية في تفسير ديناميكية العرض. لكن التوقف عند هذا المستوى وحده لا يكفي. فمنتج الفضة لا يسعى فقط لتغطية تكاليفه التشغيلية، بل يحتاج إلى عائد معقول على رأس المال المستثمر يعكس:
- تقلب أسعار السلع
- المخاطر الجيولوجية والتنظيمية
- الطبيعة الرأسمالية طويلة الأجل لصناعة التعدين
بإضافة هذا العائد المطلوب، يمكن تقدير السعر الاقتصادي التوازني طويل الأجل للفضة عند نطاق يقارب 40 دولارًا للأونصة. هذا السعر لا يمثل سعر اليوم، ولا توقعًا قصير الأجل، بل المستوى الذي يكون عنده المُنتج غير مبالٍ بين الاستمرار أو الخروج من السوق. لطالما أن استخراج الفضة يكلفه ما يتوقعه. وهو تكاليف الاستخراج + أرباحه المُتوقعة.
3. طريقتان لحساب التقييم العادل للفضة.
الخطأ الشائع في تقييم السلع هو البحث عن “سعر عادل واحد”. المنهج الاقتصادي المبني على الاحتمالات يتعامل مع السعر باعتباره متغيرًا يتحرك بين حالات سوق مختلفة، لكل حالة منطقها وسلوكها.
في حالة الفضة، يمكن تبسيط الإطار إلى حالتين رئيسيتين:
- حالة الاندفاع السعري (Trend / Spike)
حيث تسيطر السيولة والزخم والمضاربة، ويتم تجاهل المنطق الاقتصادي لفترات قد تطول. في هذه الحالة، يمكن للأسعار أن ترتفع إلى مستويات بعيدة جدًا عن مركز الجاذبية. كما حدث في الأشهر الماضية. - حالة العودة إلى الجاذبية الاقتصادية (Mean Reversion)
حيث يهدأ الزخم، ويتحول السوق إلى تصحيح سعري أو زمني، وتبدأ الأسعار في الاقتراب من منطق التكلفة والعرض. في هذا الإطار، يمكن استخدام 110 دولارات للأونصة كمرجع واقعي لحالة الاندفاع السعري بأعتباره اعلى سعر لأونصة الفضة خلال العام الجاري، ليس باعتباره قيمة عادلة، بل تمثيلًا لما يمكن أن يبلغه السعر في ذروة زخم قوي. في المقابل، يمثل مستوى 40 دولارًا للأونصة مرجع حالة التوازن الاقتصادي. وهو السعر الذي اذا وصلت اليه الأسعار يبدأ المعروض في الانكماش. وهو أيضاً اقتصادياً السعر الذي من المفترض أن يعود اليه السعر باعتباره أصل مالي يعود الى المتوسط الاقتصادي. أو ان سعر التكاليف يرتفع أكثر فيحدث التوازن.
ثالثًا: التحليل الفني – ترجيح السيناريوهات لا تحديد القيمة
1. الدور الحقيقي للتحليل الفني
التحليل الفني لا يُستخدم هنا لتحديد القيمة العادلة، بل لتحديد الاحتمالات. القيمة تأتي من الاقتصاد، أما التحليل الفني فيُستخدم لتقييم:
- حالة السوق الحالية
- قوة الاتجاه
- درجة الإفراط في الشراء أو البيع
- جودة التوقيت من منظور المخاطرة إلى العائد
بعبارة أخرى: التحليل الفني يجيب عن سؤال “أي سيناريو اقتصادي أقرب للتحقق الآن؟”.
2. قراءة البنية السعرية الحالية للفضة
من خلال قراءة التحليل الفني للفضة، يتضح أن السوق في اتجاه صاعد قوي، مدفوع بحركة اندفاعية واضحة، حيث:
- الشموع كبيرة ومتتابعة
- السعر بعيد عن المتوسطات
- الزخم قوي ومسيطر
لكن في الوقت نفسه، تظهر علامات تشبع شرائي (Buy Climax)، وهو وضع يشير إلى:
- قوة الاتجاه على المدى البعيد
- ضعف نقاط الدخول من المستويات الحالية
في هذه الحالات، المنطق الفني لا يرجّح انعكاس الاتجاه مباشرة، بل يرجّح تصحيحًا سعريًا أو تماسكًا زمنيًا يسمح للسوق بإعادة بناء القاعدة قبل أي موجة صعود جديدة.
3. ترجيح الاحتمالات الفنية الحالية
بناءً على هذا السياق السلوكي، يمكن تقدير الاحتمالات كالتالي:
- احتمال استمرار الصعود المباشر من المستويات الحالية: ≈ 35%
- احتمال تصحيح أو تماسك أو حركة هابطة أولًا: ≈ 65%
هذه الترجيحات لا تعني أن الاتجاه تغيّر، بل تعني أن المخاطرة إلى العائد من الشراء عند هذه المستويات غير جذابة.
رابعًا: القيمة العادلة الاحتمالية للفضة بناءً على دمج التحليل الفني والاقتصادي
1.حساب القيمة العادلة
يتم حساب القيمة العادلة الحالية باعتبارها متوسطًا مرجّحًا بين حالتي السوق بضرب احتمالات الأرتفاع ” 35% ” في السعر الأعلى ” 110 للأونصة ” + احتمالات العودة الى السعر الاقتصادي ” 40 دولار ” مضروب في نسبة احتمالات حدوث هذا السيناريو ” 65% ” في هذه الحالة. وذلك لتبسيط الرياضيات.
حيث:
- السعر الاقتصادي طويل الأجل ≈ 40 دولارًا
- سعر الاندفاع ≈ 110 دولارات
- احتمال حالة الاندفاع (وفق القراءة الفنية الحالية) ≈ 35%
النتيجة التقريبية: بناءاً على ما سبق ان سعر الفضة العادل هو 64–65 دولارًاللأونصة.
2. تفسير النتيجة
هذا الرقم لا يعني أن السعر “يجب” أن يكون عند هذا المستوى الآن، ولا يعني أن السوق لن يتجاوزه. لكنه يعني أن:
- الشراء أعلى بكثير من هذا النطاق هو رهان على استمرار الزخم بنسبة تفوق الاحتمال الحالي
- العائد المتوقع من المستويات المرتفعة يصبح سلبيًا، ليس لأن الاتجاه هابط، بل لأن معادلة المخاطرة إلى العائد غير متوازنة. هذا في حالة دمج احتمالات التحليل الفني مع احتمالات التحليل الاقتصادي. ولكن هناك مدرسة أخرى للتقييم لا تعتمد بالكُلية على التحليل الفني في المُعادلة. ولذلك تكون القيمة العادلة للفضة في هذه الحالة محتلفة بعض الشيء.
السعر العادل للفضة بدون إدخال التحليل الفني واحتمالاته في المُعادلة.
القيمة العادلة المقبولة اليوم (مع مراعاة العوامل الأساسية والتقلبات الدورية) ستكون: ≈ 75-85 دولارًا للأونصة يعكس هذا النطاق التكلفة الأعلى عند 36 دولارًا للأونصة، ارتفاعًا محتملاً في السعر قرب مستويات السوق الحالية (حوالي 110 دولارات للأونصة)، واحتمالية عودة الفضة إلى مستوياتها الأساسية بدلًا من بقائها عند مستويات قياسية مرتفعة.
التفسير
إذا كنت متفائلاً بشأن اتجاهات الطلب (الصناعية والنقدية) وتعتقد أن الارتفاع سيستمر، فاجعل التركيز على ذروة الطلب أكبر (بنسبة تقارب 60% الى 70% )، ما يُعطي سعرًا يتراوح بين 80 و86 دولارًا للأونصة في هذه الحالة. أما إذا كنت محايدًا أو حذرًا، فاجعل التركيز على العوامل الأساسية أكبر (بنسبة تقارب 30% الى 40% )، ما يُعطي سعرًا يتراوح بين 70 و75 دولارًا للأونصة. ما يعني أن كلما افترضت أن احتمالات الصعود من المستويات الحالية منخفضة كلما قل السعر. والعكس صحيح. هنا في هذه الحالة نترك لك الحُرية في اختيار نسبة الاحتمالات التي تُناسب طريقة رؤيتك للأمور ولكن للتبسيط أنظر الجدول التالي ستجد افتراض لكل نسب الاحتمالات التي يُمكن أن تكون موجودة في السوق الأن وسعر الفضة عند كل نسبة احتمالات مُعينة.
جدول توزيع نسب الاحتمالات المُختلفة وتأثيرها على الأسعار: