شهدت العقود الآجلة للأسهم الأمريكية، وعلى رأسها مؤشر داو جونز وناسداك 100، تراجعًا ملحوظًا خلال التداولات الآسيوية في الساعات الأولى من صباح يوم الاثنين 12 يناير 2026، وذلك بعد تقارير أفادت بفتح وزارة العدل الأمريكية تحقيقًا جنائيًا غير مسبوق مع الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، وهو ما أثار قلقًا واسعًا في الأسواق وضغط على شهية المخاطرة لدى المستثمرين.
وجاء هذا التطور في توقيت حساس، حيث أظهرت بيانات الأسبوع الماضي – وعلى رأسها مؤشر مديري المشتريات لقطاع الخدمات وتقرير الوظائف الأمريكي – قوة نسبية في سوق العمل والنشاط الاقتصادي، ما قلّص من احتمالات خفض أسعار الفائدة في اجتماع مارس، وزاد من حدة التوتر بين إدارة ترامب والاحتياطي الفيدرالي. وقد أكد جيروم باول، رئيس الفيدرالي، صحة هذه التقارير قبل افتتاح الأسواق، مشيرًا إلى أن التحقيق يمثل ضغطًا سياسيًا مباشرًا على استقلالية السياسة النقدية.
في المقابل، ساهمت التطورات في اليابان في الحد من خسائر العقود الآجلة الأمريكية. فقد تراجعت عوائد السندات الحكومية اليابانية لأجل 10 سنوات من أعلى مستوياتها منذ عام 1999، ما أدى إلى إضعاف الين الياباني ودعم ما يُعرف بـ“تجارة الكاري”، حيث يتم توجيه السيولة نحو الأصول الأعلى مخاطرة، بما في ذلك الأسهم الأمريكية.
وعلى الرغم من التراجع الصباحي، لا تزال النظرة المتوسطة الأجل إيجابية نسبيًا. فالتفاؤل بشأن موسم أرباح الشركات، إلى جانب الآمال المتزايدة بخفض أسعار الفائدة لاحقًا خلال النصف الأول من عام 2026، واستمرار متانة الاقتصاد الأمريكي، كلها عوامل تدعم سيناريو صعودي للأسهم الأمريكية على المدى المتوسط.
أما على الصعيد الآسيوي، فقد لعبت المخاطر السياسية في اليابان دورًا إضافيًا في إضعاف الين، بعد تقارير عن احتمال لجوء رئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي إلى انتخابات مبكرة. هذه الأنباء عززت حالة عدم اليقين السياسي، ودفعت المستثمرين إلى التخارج من الين، ما رفع زوج الدولار/ين إلى أعلى مستوياته منذ يناير 2025، وواصل دعم تدفقات الكاري تريد نحو الدولار والأصول الأمريكية.
في الولايات المتحدة، أثّر إعلان التحقيق الجنائي على شهية المخاطرة بشكل مباشر، حيث سجلت عقود ناسداك 100 وستاندرد آند بورز 500 وداو جونز خسائر واضحة خلال الجلسة الآسيوية. وفي رسالة مصورة، شدد باول على أن هذه الخطوة تمثل تهديدًا خطيرًا لاستقلالية البنك المركزي، مؤكدًا أن جوهر القضية يتمثل في ما إذا كانت السياسة النقدية ستُدار بناءً على البيانات الاقتصادية أم تحت ضغط سياسي مباشر.
وتتجه أنظار الأسواق خلال الساعات المقبلة إلى تصريحات مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي، خاصة في ظل غياب بيانات اقتصادية أمريكية مهمة قبل صدور تقرير التضخم (CPI). وتشير التوقعات إلى استقرار معدل التضخم السنوي عند 2.7%، وهو ما قد يدعم نبرة أكثر ميلًا للتيسير النقدي إذا تأكدت البيانات، بما ينعكس إيجابًا على تقييمات الأسهم.
من الناحية الفنية، لا تزال المؤشرات الأمريكية الرئيسية تتداول أعلى متوسطاتها المتحركة لـ50 و200 يوم، وهو ما يعكس اتجاهًا صعوديًا على المدى القصير والمتوسط، رغم التقلبات الحالية. ومع ذلك، تبقى التحركات القادمة مرهونة بتطورات الملف السياسي، وبيانات التضخم، وموسم الأرباح، إضافة إلى لهجة الاحتياطي الفيدرالي.
الاتجاه الصعودي المتوسط الأجل لا يزال قائمًا، مدعومًا بقوة الاقتصاد الأمريكي، وتوقعات خفض الفائدة، وأرباح الشركات، إلا أن المخاطر السياسية – سواء في الولايات المتحدة أو اليابان – تفرض درجة أعلى من الحذر. المستثمرون مطالبون بمتابعة تطورات عوائد السندات اليابانية، وتحركات الدولار/ين، وتصريحات البنوك المركزية، لما لها من تأثير مباشر على تدفقات السيولة العالمية وشهية المخاطرة في الأسواق.