أظهرت البيانات الأمريكية الصادرة اليوم صورة متباينة، إلا أنها تميل في مجملها إلى دعم قوة الاقتصاد الأمريكي واستمرار الضغوط التضخمية، وهو ما قد يدفع الاحتياطي الفيدرالي إلى الإبقاء على أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة لفترة أطول.
رغم أن بيانات الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي للربع الأول جاءت أفضل من التوقعات، إلا أنها لا تعكس بصورة كاملة الواقع الحالي للاقتصاد الأمريكي، إذ إن الربع الأول سبق موجة ارتفاع أسعار الطاقة التي شهدها شهر مارس نتيجة التوترات الجيوسياسية، والتي يُتوقع أن تظهر آثارها السلبية بشكل أوضح في بيانات الربع الثاني. لذلك، ينصب تركيز الأسواق حالياً على مؤشرات شهر مايو الأكثر حداثة، والتي بدأت تُظهر بوادر تباطؤ في القطاع الصناعي، خاصة مع الانخفاض الحاد في طلبات السلع المعمرة بنسبة 4.5%، ما يشير إلى تراجع الطلب على الاستثمارات الصناعية والإنفاق الرأسمالي. ورغم أن بعض المكونات الأساسية جاءت أفضل من التوقعات، فإن الاتجاه العام يوحي بأن النشاط الصناعي بدأ يفقد زخمه، وهو ما قد يكون أولى إشارات التباطؤ الاقتصادي خلال الربع الثاني.
تأثيرات الأسواق: استمرار التضخم عند مستويات مرتفعة، إلى جانب متانة الاقتصاد الأمريكي، يقلصان احتمالات خفض أسعار الفائدة في المدى القريب، وهو ما يبقي عوائد السندات الأمريكية عند مستويات مرتفعة ويؤدي إلى استمرار شح السيولة في الأسواق العالمية. ومع ارتفاع تكلفة التمويل، تتعرض الأسهم، ولا سيما الأسهم الصناعية والدورية، لضغوط متزايدة، كما تتأثر المعادن الصناعية مثل النحاس والألمنيوم نتيجة المخاوف من تباطؤ النشاط الاقتصادي والتصنيعي. وفي ظل هذه البيئة، من المتوقع أن تستمر التقلبات والتذبذبات في أسواق المال، مع انتقال المستثمرين بشكل متكرر بين الأصول وفق كل دفعة جديدة من البيانات الاقتصادية وتوقعات السياسة النقدية للاحتياطي الفيدرالي.
على صعيد التضخم، جاء مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي الأساسي (Core PCE)، وهو المؤشر المفضل لدى الاحتياطي الفيدرالي، متوافقاً مع التوقعات عند 0.3% شهرياً وارتفع إلى 3.4% سنوياً مقارنة بـ 3.3% سابقاً، مما يشير إلى استمرار الضغوط التضخمية الأساسية دون مفاجآت كبيرة. كما استقر مؤشر PCE العام عند 0.4% شهرياً وارتفع إلى 4.1% سنوياً من 3.8% سابقاً.
في المقابل، جاءت بيانات النمو الاقتصادي أفضل من المتوقع، حيث تم تعديل نمو الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي للربع الأول إلى 2.1% مقابل توقعات عند 1.6%، في إشارة إلى أن الاقتصاد الأمريكي ما يزال يتمتع بمرونة قوية رغم ارتفاع تكاليف الاقتراض.
أما سوق العمل، فقد استمرت إشارات القوة مع انخفاض طلبات إعانة البطالة الأولية إلى 215 ألف طلب مقارنة بتوقعات بلغت 225 ألفاً، وهو ما يعكس استمرار قوة سوق العمل. في المقابل، ارتفعت طلبات إعانة البطالة المستمرة إلى 1.821 مليون مقابل توقعات 1.800 مليون، ما يشير إلى بعض التباطؤ المحدود في إعادة توظيف الباحثين عن العمل.
وفي قطاع الصناعة، تراجعت طلبات السلع المعمرة بنسبة 4.5% كما كان متوقعاً بعد القفزة الكبيرة البالغة 8.0% في الشهر السابق، إلا أن البيانات الأساسية كانت أكثر إيجابية، حيث ارتفعت طلبات السلع المعمرة باستثناء وسائل النقل بنسبة 1.3% مقابل توقعات 0.6%، كما ارتفعت طلبات السلع الرأسمالية الأساسية بنسبة 1.6% مقابل توقعات 0.6%، وهو ما يعكس استمرار قوة استثمارات الشركات.
كما سجل الدخل الشخصي نمواً قوياً بنسبة 0.7% مقابل توقعات 0.4%، بينما ارتفع الإنفاق الشخصي أيضاً بنسبة 0.7% مقابل توقعات 0.6%، مما يؤكد استمرار قوة إنفاق المستهلك الأمريكي.
الخلاصة: تشير البيانات إلى أن الاقتصاد الأمريكي لا يزال متماسكاً، مع نمو اقتصادي أقوى من المتوقع، وسوق عمل قوي، واستمرار الإنفاق الاستهلاكي، في حين لا تزال الضغوط التضخمية مرتفعة. لذلك، من المرجح أن تعزز هذه الأرقام توقعات استمرار الاحتياطي الفيدرالي في تبني سياسة نقدية متشددة، مما قد يدعم الدولار الأمريكي وعوائد السندات، مع بقاء الضغوط على أسواق الأسهم في حال استمرت أسعار الفائدة المرتفعة لفترة أطول.