غياب بيانات سوق العمل الأمريكية وارتفاع الضبابية
لم تصدر بيانات سوق العمل الأمريكية خلال هذا الأسبوع نتيجة الإغلاق الحكومي الجزئي، وهو ما حرم الأسواق من أحد أهم المؤشرات التي تُستخدم عادة في تسعير مسار أسعار الفائدة وتحديد اتجاه الدولار. هذا الغياب دفع الأسواق إلى دخول جلسات نهاية الأسبوع وسط حالة من عدم اليقين، ما انعكس في ارتفاع مستوى التذبذب واعتماد المستثمرين بشكل أكبر على أرباح الشركات، وأداء قطاع التكنولوجيا، والتطورات الجيوسياسية، إضافة إلى تحركات الدولار ومستويات السيولة.
المزاج العام للأسواق: تجنّب المخاطرة مع محاولات ارتداد
خلال تداولات الأسبوع، بدا واضحًا أن المزاج العام في الأسواق يميل إلى تجنب المخاطرة، وإن تخللته محاولات ارتداد محدودة. فقد تراجعت شهية المخاطرة نتيجة ضغوط قادها هبوط قطاع التكنولوجيا، وخصوصًا شركات البرمجيات، إلى جانب حالة التوتر في سوق العملات الرقمية التي شهدت هبوطًا حادًا أعقبه ارتداد سريع. كما ساهمت قوة الدولار بالقرب من أعلى مستوياته في أسبوعين في الضغط على المعادن، في وقت تأثر فيه الذهب بتطورات جيوسياسية مرتبطة بالتوترات الإقليمية والمفاوضات الإيرانية–الأمريكية في سلطنة عُمان. ورغم ذلك، أظهرت عقود المؤشرات الأمريكية يوم الجمعة محاولات ارتداد، في إشارة إلى أن موجة البيع كانت قوية لكنها لم تحظَ بعد بتأكيد كامل على استمرار الاتجاه.
الأسهم الأمريكية: أسبوع ضاغط بقيادة قطاع التكنولوجيا
سجلت الأسهم الأمريكية أسبوعًا متعبًا، لا سيما في قطاع التكنولوجيا. إذ شهدت جلسة الخميس ضغوط بيع واضحة دفعت مؤشري S&P 500 وDow Jones للتراجع بنحو 1.2%. وعلى أساس أسبوعي، أنهى مؤشر Dow تداولاته قريبًا من الاستقرار، في حين تراجع S&P 500 بنحو 2%، وسجل مؤشر Nasdaq خسائر قاربت 4%. وفي نهاية الأسبوع، عادت العقود الآجلة للمؤشرات إلى الارتفاع، حيث صعد Dow وS&P بنحو 0.5%، وارتفع Nasdaq 100 بنحو 0.6%.
إعادة تسعير البرمجيات والذكاء الاصطناعي
يُعزى الضغط الرئيسي في سوق الأسهم إلى قطاع البرمجيات وإعادة تسعير رواية الذكاء الاصطناعي. فقد واصل صندوق قطاع البرمجيات تراجعه ليهبط بأكثر من 11% خلال الأسبوع، مسجلًا أسوأ أداء أسبوعي له منذ عام 2008. ولا يعكس هذا التراجع نهاية قصة الذكاء الاصطناعي، بقدر ما يعكس مرحلة إعادة تقييم للتوقعات والتقييمات المرتفعة، وسط تساؤلات حول قدرة الأرباح الفعلية على تبرير المستويات السعرية التي بلغتها الأسهم.
نتائج الشركات الكبرى وتأثيرها على المعنويات
أسهمت نتائج بعض الشركات الكبرى في توجيه معنويات السوق، إذ تراجعت أسهم أمازون بنحو 8% عقب إعلان نتائج جاءت دون التوقعات نسبيًا، إلى جانب حديث الإدارة عن إنفاق رأسمالي مرتفع يقترب من 200 مليار دولار، ما زاد من المخاوف بشأن هوامش الربحية وتوقيت تحقيق العوائد. في المقابل، ارتفعت أسهم ريديت بنحو 8% بعد تسجيل نتائج أفضل من المتوقع وتقديم توجيهات إيجابية، إضافة إلى الإعلان عن برنامج لإعادة شراء الأسهم. كما شهدت بعض الأسهم القيادية مثل إنفيديا ومايكروسوفت ارتدادًا محدودًا بعد ضغوط استمرت معظم أيام الأسبوع.
العملات الرقمية: سيولة عصبية وتقلبات حادة
في سوق العملات الرقمية، شهدت بيتكوين تحركات عنيفة عكست حالة سيولة عصبية، حيث تراجعت بنحو 16% خلال ساعات قليلة لتكسر مستوى 61 ألف دولار مؤقتًا، قبل أن تعود للارتداد بأكثر من 4% وتتجاوز مستوى 66 ألف دولار. ويشير هذا النمط من الحركة إلى عمليات تصفية واسعة لمراكز الرافعة المالية، يعقبها دخول سريع لعمليات اقتناص القيعان، ما يعكس حساسية السوق الشديدة لأي تشدد مالي أو ضغوط سيولة، خاصة في ظل قوة الدولار.
الذهب والفضة: ملاذ آمن بتذبذب مرتفع
حافظ الذهب والفضة على دورهما كملاذ آمن، لكن ضمن نطاق تذبذب مرتفع. فقد ارتفع الذهب الفوري بنحو 2.5% ليقترب من مستوى 4,895 دولارًا للأونصة، بينما صعدت عقود الذهب الأمريكية بنحو 0.5%، محققًا مكاسب أسبوعية محدودة. وجاء هذا الارتفاع مدعومًا بالطلب التحوطي، إلا أن قوة الدولار ورفع متطلبات الهامش على المعادن أسهما في زيادة حدة التذبذب. في المقابل، ارتفعت الفضة خلال الجلسة الأخيرة لكنها بقيت منخفضة بقوة على أساس أسبوعي، ما يعكس حالة تداول عصبية شديدة الحساسية للأخبار.
الدولار والسياسة النقدية: عامل ضغط مستمر
بقي الدولار الأمريكي قريبًا من أعلى مستوياته في أسبوعين، ما شكّل عامل ضغط على المعادن والأصول عالية المخاطر. وفي خلفية المشهد، برز عامل سياسي ومؤسسي تمثل في تداول أخبار عن ترشيح كيفن وورش لرئاسة الاحتياطي الفيدرالي، وهو ما دفع الأسواق إلى إعادة تقييم توقعاتها بشأن مسار السياسة النقدية ونبرة الفائدة خلال المرحلة المقبلة.
البيانات الاقتصادية العالمية: إشارات ضعف خارج الولايات المتحدة
على صعيد البيانات الاقتصادية، أظهرت الأرقام اليابانية تراجعًا حادًا في إنفاق الأسر، ما يشير إلى ضعف الاستهلاك المحلي. وفي ألمانيا، سجل الإنتاج الصناعي هبوطًا قويًا رغم تحسن الميزان التجاري، في صورة تعكس هشاشة القطاع الصناعي الأوروبي. أما بريطانيا، فقد أظهرت بيانات الإسكان تحسنًا نسبيًا، في حين اتسع العجز التجاري في فرنسا. وفي سويسرا، تراجعت احتياطيات العملات الأجنبية مع تحسن طفيف في سوق العمل.
كندا: إشارات تميل نحو التيسير النقدي
جاءت البيانات الكندية لتشكل إحدى أبرز مفاجآت الأسبوع، مع تسجيل فقدان واضح للوظائف رغم تحسن معدل البطالة. وتعكس هذه القراءة ضعفًا في سوق العمل قد يدفع السياسة النقدية إلى مزيد من التيسير بدل التشدد، خصوصًا إذا تأكد تباطؤ النشاط الاقتصادي خلال الفترة المقبلة.
السيناريوهات القادمة: البحث عن بدائل لتأكيد الاتجاه
في ظل غياب بيانات سوق العمل الأمريكية، تتجه أنظار الأسواق خلال الأسبوع المقبل إلى مؤشرات بديلة لتأكيد الاتجاه. فإذا استقرت العملات الرقمية، وتماسك قطاع التكنولوجيا، وتراجع الدولار بشكل محدود، فقد تشهد الأسواق ارتدادًا إضافيًا. أما إذا استمرت قوة الدولار وتواصل الضغط على قطاع البرمجيات وظهرت مخاوف سيولة جديدة، فقد يبقى الضغط قائمًا على الأسهم مع استمرار تذبذب الذهب ضمن ميل صعودي حذر.