تشهد الأسواق العالمية في الوقت الراهن مرحلة دقيقة وحساسة، تتداخل فيها العوامل السياسية مع المعطيات الاقتصادية، ما يفرض على المستثمرين حالة من الترقب الحذر وإعادة تقييم مراكزهم الاستثمارية، خاصة في الأصول عالية المخاطر.
أولًا: الضغوط الجيوسياسية – العامل الأكثر إرباكًا للأسواق
عاد التوتر الجيوسياسي ليكون في واجهة المشهد المالي بعد تصريحات أمريكية جديدة تتعلق بإمكانية التحرك للحصول على جرينلاند ، في خطوة أثارت قلقًا واسعًا داخل أوروبا، لما تحمله من أبعاد سياسية واستراتيجية تتجاوز الإطار الاقتصادي التقليدي.
هذه التصريحات، المرتبطة بالرئيس الأمريكي ، أعادت إلى الأذهان نهج الضغوط السياسية المباشرة، وهو ما خلق حالة من عدم اليقين لدى المستثمرين الأوروبيين، خصوصًا في ظل هشاشة النمو الاقتصادي في منطقة اليورو.
في موازاة ذلك، زادت التصريحات الإسرائيلية حول احتمال عودة الحرب مع ايران وحزب الله و من تعقيد المشهد، حيث تخشى الأسواق من اتساع رقعة الصراع في الشرق الأوسط، وما قد يترتب عليه من اضطرابات في سلاسل الإمداد والطاقة.
ثانيًا: أداء الأسهم – تراجعات محدودة ولكن ذات دلالة
- الأسهم الأوروبية سجلت تراجعات طفيفة، تعكس قلق المستثمرين من تطورات سياسية قد تؤثر على الاستقرار الإقليمي والتجاري.
- الأسهم الأمريكية بدورها مالت إلى الانخفاض المحدود، رغم قوة البيانات الاقتصادية، في إشارة واضحة إلى أن العامل السياسي طغى مؤقتًا على الأساسيات الاقتصادية.
اللافت أن التراجعات بقيت محدودة وغير حادة، ما يدل على أن الأسواق لا تزال تتعامل مع هذه المخاطر باعتبارها محتملة وليست مؤكدة، لكنها في الوقت نفسه لا تتجاهلها.
ثالثًا: النفط – المستفيد الأول من التوترات
سوق الطاقة كان الأكثر تفاعلًا مع هذه التطورات، حيث ارتفعت أسعار النفط بنحو 2%، مدفوعة بعدة عوامل:
- تصاعد المخاوف من أي تعطّل محتمل للإمدادات في حال توسّع الصراع في الشرق الأوسط.
- عودة علاوة المخاطر الجيوسياسية إلى التسعير بعد فترة من الهدوء النسبي.
- زيادة الطلب التحوطي من قبل المستثمرين والمؤسسات الكبرى.
هذا الارتفاع يعكس حساسية أسعار النفط لأي توتر عسكري أو سياسي في المناطق المنتجة للطاقة، حتى قبل وقوع أي حدث فعلي على الأرض.
رابعًا: البيانات الاقتصادية الأمريكية – قوة تقف في وجه خفض الفائدة
على الجانب الاقتصادي، جاءت البيانات الأمريكية الصادرة أمس قوية وإيجابية، سواء على صعيد النشاط الاقتصادي أو مؤشرات سوق العمل، ما عزز القناعة لدى الأسواق بأن الفيدرالي لن يتجه إلى خفض أسعار الفائدة خلال اجتماع يناير.
هذه البيانات:
- تؤكد استمرار متانة الاقتصاد الأمريكي.
- تقلل من حاجة الفيدرالي إلى التحرك السريع نحو سياسة نقدية أكثر تيسيرًا.
- تعزز من احتمالية بقاء الفائدة عند مستوياتها الحالية لفترة أطول.
وبالتالي، فإن أي آمال بخفض مبكر للفائدة تتراجع تدريجيًا، خاصة إذا استمرت البيانات في إظهار قوة سوق العمل والطلب المحلي.
خامسًا: الحدث الأهم القادم – بيانات العمل الأمريكية
تتجه أنظار الأسواق غدًا إلى بيانات العمل الأمريكية الرسمية (الوظائف غير الزراعية)، والتي ستصدر عند الساعة 4:30 مساءً بتوقيت الكويت.
أهمية هذه البيانات تكمن في:
- كونها العامل الأكثر تأثيرًا على قرارات السياسة النقدية للفيدرالي.
- تحديدها لمسار الدولار الأمريكي، وأسواق الأسهم، والسندات.
- قدرتها على ترسيخ سيناريو تثبيت الفائدة لفترة أطول في حال جاءت قوية، أو إعادة فتح باب التوقعات بخفض الفائدة لاحقًا إذا أظهرت تباطؤًا مفاجئًا.
الخلاصة الاستراتيجية
الأسواق اليوم تقف عند مفترق طرق:
- من جهة، توترات جيوسياسية متصاعدة تضغط على شهية المخاطرة وترفع أسعار النفط.
- ومن جهة أخرى، اقتصاد أمريكي قوي يقيّد قدرة الأسواق على المراهنة على خفض قريب للفائدة.
وفي هذا المشهد المتشابك، تبقى التقلبات مرشحة للارتفاع، مع انتقال الأسواق من مرحلة ردّ الفعل السياسي إلى مرحلة إعادة التسعير الاقتصادي، بانتظار ما ستحمله بيانات العمل الأمريكية من إشارات حاسمة للمرحلة المقبلة.