Table of Contents
أعاد اعتقال الرئيس الفنزويلي من قبل الولايات المتحدة تسليط الضوء على واحد من أكثر ملفات الطاقة تعقيداً في العالم، وهو النفط الفنزويلي، في وقت يقف فيه سوق النفط العالمي عند مفترق طرق حساس بين فائض القدرة الإنتاجية وتباطؤ نمو الطلب العالمي.
السوق النفطي العالمي: أرقام كبيرة وهوامش أمان واسعة
يبلغ الطلب العالمي على النفط حالياً قرابة 104 ملايين برميل يومياً، أي ما يقارب 38 مليار برميل سنوياً، في حين يقدَّر الإنتاج العالمي بنحو 106 ملايين برميل يومياً.
هذا الفارق يعكس وجود فائض فعلي في المعروض، يضاف إليه عنصر أكثر أهمية، وهو الطاقة الإنتاجية الفائضة التي تمتلكها الدول المنتجة.
فعند احتساب الطاقة الفائضة – والمتركزة بشكل رئيسي لدى دول – تُقدَّر القدرة الإنتاجية العالمية الفعّالة بنحو 111–112 مليون برميل يومياً.
وبمقارنتها مع الطلب الحالي، يتبيّن أن السوق يمتلك هامش أمان يتراوح بين 7 و8 ملايين برميل يومياً، وهو مستوى مرتفع تاريخياً يقلل من حساسية الأسعار تجاه الأخبار السياسية المفاجئة، بما فيها تطورات فنزويلا.
فنزويلا: احتياطي ضخم… ونفط صعب
تُعد صاحبة أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم، يتجاوز 300 مليار برميل.
غير أن التحدي لا يكمن في حجم الاحتياطي، بل في نوعيته:
- الجزء الأكبر من النفط الفنزويلي يقع في حزام الأورينوكو، وهو نفط فائق الثقل.
- هذا النوع من الخام صعب الاستخراج والنقل، ويحتاج إلى تقنيات خاصة ومخففات وعمليات معالجة إضافية.
- في المقابل، توجد كميات أقل من نفط تقليدي أخف وأسهل إنتاجاً، لكنها لا تمثل القلب الحقيقي للإنتاج الفنزويلي.
بعبارة مبسطة:
النفط موجود بكثرة، لكن تحويله إلى براميل قابلة للتصدير مكلف ومعقّد.
كم يمكن أن يرتفع إنتاج فنزويلا؟
رغم الضجيج السياسي، فإن قدرة فنزويلا على زيادة الإنتاج تظل مقيدة بعوامل استثمارية وتقنية أكثر من كونها سياسية فقط.
- على المدى القريب (سنتان):
قد ترتفع الإمدادات بنحو 300–500 ألف برميل يومياً في أفضل السيناريوهات، إذا توفرت الاستثمارات ومرونة أكبر في العقوبات. - خلال 5 إلى 10 سنوات:
الوصول إلى مستويات 1.5–2.0 مليون برميل يومياً يبقى سيناريو ممكناً نظرياً، لكنه يحتاج عشرات المليارات من الدولارات واستقراراً طويل الأمد في الإدارة والبنية التحتية. - على المدى البعيد:
الإمكان الجيولوجي هائل، لكن القدرة الاقتصادية هي العامل الحاسم، وليس حجم الاحتياطي.
هل يشكّل النفط الفنزويلي تهديداً للأسعار؟
في ظل:
- فائض القدرة الإنتاجية العالمية
- وتباطؤ نمو الطلب مقارنة بسنوات ما بعد الجائحة
فإن أي زيادة تدريجية في الإنتاج الفنزويلي لن تكون محفزاً صعودياً للأسعار، بل قد تشكّل عاملاً ضاغطاً إذا تزامنت مع زيادات من منتجين آخرين.
تقديرات مؤسسات مالية كبرى تشير إلى أن عودة فنزويلا بقوة قد تخفض الأسعار عدة دولارات للبرميل على المدى المتوسط، لا سيما في بيئة تعاني أصلاً من فائض المعروض.
تكلفة الإنتاج: لماذا يهم مستوى السعر؟
- النفط الفنزويلي (النفط الثقيل):
تكلفة التعادل للمشاريع التوسعية قد تتجاوز 80 دولاراً للبرميل، ما يجعل أي نمو كبير في الإنتاج حساساً للأسعار المرتفعة. - النفط الصخري الأميركي:
متوسط تكلفة التعادل يدور بين 55 و65 دولاراً للبرميل، ما يعني أن هبوط الأسعار دون هذا النطاق لفترة طويلة قد يؤدي إلى تباطؤ نمو الإمدادات الأميركية.
الخلاصة
اعتقال مادورو أعاد فنزويلا إلى واجهة المشهد السياسي، لكنه لم يغيّر قواعد اللعبة النفطية حتى الآن.
السوق العالمية لا تعاني من نقص في النفط، بل من وفرة في القدرة الإنتاجية، ما يجعل أي زيادة محتملة من فنزويلا محدودة التأثير ما لم تترافق مع صدمة كبيرة في الطلب أو اضطرابات واسعة في الإمدادات العالمية.
بكلمات أخرى:
فنزويلا تمتلك نفطاً قد يغيّر الأرقام يوماً ما، لكن ليس بالسرعة ولا بالقوة التي تخشاها الأسواق اليوم.